
بقلم/ إيهاب الأمين
حين تذكر كلمة الجراد تتبادر إلى الأذهان فوراً صور الأسراب المدمرة التي تقضي على المحاصيل وتُعرف في التراث الديني والتاريخي بـالآفة أو النقمة ولكن إذا سافرت إلى قلب القارة الإفريقية، وتحديداً في دول غرب ووسط وشرق إفريقيا ستجد أن النظرة تختلف تماماً؛ فالجراد هناك ليس مجرد حشرة بل هو كنز غذائي، وجبة شهية تُباع في الأسواق، ومصدر حيوي للصحة والعلاج.
هو وجبة شعبية لا تُقاوم في العديد من الأسواق الشعبية في دول مثل نيجيريا، أوغندا، كينيا، تشاد، وبعض مناطق السودان، ويعتبر الجراد من الأطباق المرغوبة بشدة، حيث تُباع أكياس الجراد المقلي في الشوارع كوجبة خفيفة (سناك) لذيذة، تماماً مثل بيع الفول السوداني أو بذور عباد الشمس.
يُطهى الجراد عادةً بعد إزالة أجنحته وأرجله، ثم يُقلى في الزيت مع البصل، الثوم، والطماطم، ويُتبل بخلطة من التوابل المحلية الحارة التي تمنحه نكهة مقرمشة ومدخنة تشبه في قوامها المقرمشات أو الروبيان (الجمبري) الصغير.
ولا يقتصر الأمر على القلي فحسب، بل تمتلك الشعوب الإفريقية طرقاً مبتكرة لحفظ وتناول الجراد لضمان الاستفادة منه على مدار العام نذكر منها:
*التجفيف والتدخين: يُجفف الجراد تحت أشعة الشمس أو يُدخن على حطب خاص، مما يطيل عمره الافتراضي لشهور، ويُستخدم لاحقاً في تحضير اليخنة والصلصات.
*الطحين الغذائي: في بعض المناطق، يُطحن الجراد المجفف ليُصبح مسحوقاً غنياً يُضاف إلى دقيق الذرة أو القمح لصنع الخبز والعصائد، وهي طريقة ذكية لإطعام الأطفال.
*الشوربات والمرق: يُضاف الجراد كاملاً أو مجروشاً إلى الحساء النباتي لمنحه نكهة لحمية غنية وقيمة غذائية عالية.
وقد يستغرب البعض حين يعلم أن علماء التغذية في العصر الحديث باتوا ينظرون إلى الجراد بنفس الإعجاب الذي ينظر به الأفارقة إليه منذ قرون. الجراد يُعد قنبلة بروتينية؛ حيث تتكون أجسامه الجافة من حوالي 60% إلى 70% بروتين، وهو بروتين كامل يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم.
خلاف البروتين يعج الجراد بـالمعادن مثل الحديد، الزنك، الكالسيوم، والمغنيسيوم. كما يحتوي على الفيتامينات خاصة فيتامين B12 الضروري للأعصاب والدم، والدهون الصحية حيث يحتوي على نسب جيدة من الأحماض الدهنية غير المشبعة (أوميغا 3 وأوميغا 6). وفيه المثير من الألياف بفضل احتوائه على الكيتين (المادة المكونة لهيكل الحشرة الخارجي) والتي تعمل كـبريبيوتيك يغذي بكتيريا الأمعاء النافعة.
وللجراد دور في معالجة الأمراض والوقاية منها
بسبب تركيبته الغذائية الفريدة، إذ يلعب دوراً علاجياً ووقائياً مهماً في المجتمعات التي تعاني من نقص الغذاء، ومن بين هذه الأمراض نذكر:
1/ مكافحة فقر الدم (الأنيميا) بسبب احتوائه على نسبة عالية من الحديد، يُعد الجراد علاجاً تقليدياً وفعالاً لفقر الدم، خاصة لدى النساء الحوامل والأطفال.
2/ علاج سوء التغذية والتقزم في المناطق التي يصعب فيها الحصول على اللحوم الحمراء، يُعتبر الجراد بديلاً مثالياً يحمي الأطفال من سوء التغذية ويمنع مشاكل النمو والتقزم بفضل الزنك والبروتين.
3/ تقوية العظام والأسنان إذ أن الكالسيوم والمغنيسيوم المتوفران في الجراد يساهمان في الوقاية من هشاشة العظام.
4/ تعزيز المناعة والتعافي: يُنصح بتناول الجراد للمرضى في فترة النقاهة، وللمصابين بنقص المناعة، لاحتوائه على الزنك وفيتامين B12 اللذين يعيدان بناء خلايا الجسم.
5/ صحة القلب: الدهون الصحية الموجودة فيه تساعد في تنظيم مستويات الكوليسترول، على عكس الدهون المشبعة الموجودة في بعض اللحوم الحمراء.
إلى جانب فوائده الصحية يُعد الجراد حلاً بيئياً واقتصادياً، فتربية الحشرات أو جمعها تتطلب مساحة أرض ومياهاً أقل بمراحل مقارنة بتربية الماشية، كما أنها تنتج انبعاثات كربونية شبه معدومة. اقتصادياً توفر تجارة الجراد دخلاً ممتازاً لملايين العائلات الإفريقية، وتُمكّن النساء بشكل خاص من تحقيق الاستقلال المادي من خلال بيعه في الأسواق المحلية.
إن ما قد يبدو للوهلة الأولى في ثقافات أخرى كـطعام غريب أو آفة مدمرة، هو في الحقيقة إرث غذائي عظيم في إفريقيا، وقدرة الأفارقة على تحويل محنة الأسراب إلى منحة غذائية تعالج الأمراض وتغذي الأجساد تُعلمنا درساً قيماً هو أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق شيئاً عبثاً، والحكمة تكمن في معرفة كيفية الاستفادة من كنوز وهبنا الله إياها. ولعل العالم اليوم وهو يبحث عن حلول لأزمات الغذاء المستقبلية يحتاج أن ينظر إلى أسواق إفريقيا ليتعلم كيف يمكن للحشرة الصغيرة أن تُطعم وتُعالج الملايين.



