الأخبار

لا شرعية دستورية لمن انقلب على الدستور أن ينشئ حارس الدستور !!!

بيان قانوني : كيان محامون :
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي دولة ليس مجرد تعطيل نصوصها الدستورية، وإنما تحويل الدستور من وثيقة تعلو على السلطة إلى أداة تخضع لإرادة السلطة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتشكيل المحكمة الدستورية من قبل سلطة يطعن معارضوها في مشروعيتها الدستورية تثير إشكالاً قانونياً بالغ الخطورة، لأن المحكمة الدستورية ليست مؤسسة تنفيذية، وإنما هي الحارس الأعلى للدستور، ولا يجوز أن تستمد شرعيتها من سلطة يُثار بشأنها نزاع دستوري.
إن الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية أرست مبدأ سيادة حكم القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، ولم تجعل إنشاء المحكمة الدستورية أو تشكيلها اختصاصاً مطلقاً تمارسه أي سلطة استثنائية بإرادتها المنفردة، وإنما ربطت ذلك بالشرعية الدستورية والمؤسسات التي أنشأتها الوثيقة نفسها.
ويرى هذا البيان أن الإجراءات الاستثنائية التي وقعت في 25 أكتوبر 2021، والتي اعتبرتها أطراف سودانية ودولية خروجاً على الوثيقة الدستورية، تثير سؤالاً قانونياً جوهرياً: هل يجوز لسلطة يُنازع في سندها الدستوري أن تُنشئ أعلى جهة قضائية مهمتها حماية الدستور؟
إن الإجابة التي يقدمها هذا الرأي القانوني هي: لا.
فمن المبادئ الراسخة في الفقه الدستوري أن الشرعية الدستورية لا تُولد من الإجراء غير الدستوري، وأن السلطة الاستثنائية لا تكتسب بمجرد الأمر الواقع صلاحية ممارسة الاختصاصات الدستورية الأصيلة، ما لم يستند ذلك إلى أساس دستوري واضح أو توافق دستوري مشروع.
إن المحكمة الدستورية ليست جائزة تمنحها السلطة لنفسها، ولا وسيلة لإضفاء المشروعية على قراراتها، وإنما هي سلطة رقابة مستقلة يفترض أن تكون بمنأى عن أي تأثير سياسي أو عسكري.
وأي تشكيل للمحكمة الدستورية في ظل نزاع قائم حول الشرعية الدستورية، ومن دون استكمال الآليات الدستورية المنصوص عليها، يفتح الباب أمام التشكيك في سلامة التأسيس، ويعرض قراراتها للطعن السياسي والقانوني، ويقوض الثقة العامة في مؤسسة يفترض أن تكون الملاذ الأخير لحماية الحقوق والحريات.
إن احترام الدستور يبدأ باحترام حدوده، وليس بتجاوزها. وسيادة القانون لا تتحقق عندما تصبح السلطة هي التي تحدد مضمون الدستور، وإنما عندما يكون الدستور هو الذي يحدد حدود السلطة.
وعليه، فإننا نعلن الآتي:
أولاً: نتمسك بمبدأ سيادة الوثيقة الدستورية باعتبارها المرجعية العليا لأي ممارسة دستورية.
ثانياً: نرى أن أي تشكيل للمحكمة الدستورية يجب أن يستند إلى سند دستوري سليم وإجراءات تتفق مع الوثيقة الدستورية والقانون.
ثالثاً: نحذر من توظيف المؤسسات الدستورية لإضفاء مظهر من الشرعية على أوضاع لا تزال محل خلاف دستوري وسياسي عميق.
رابعاً: ندعو جميع القوى الوطنية والهيئات القانونية إلى حماية استقلال القضاء، وصون المحكمة الدستورية من أي شبهة تدخل سياسي أو عسكري، باعتبارها الضامن الأخير لسيادة الدستور.
إن الدساتير لا تحمي نفسها، وإنما يحميها احترام نصوصها، واستقلال قضائها، ورفض إخضاعها لإرادة القوة أو الأمر الواقع. فالتاريخ الدستوري يعلمنا أن الشرعية لا تُفرض بالسلاح، ولا تُصنع بالقرارات المنفردة، وإنما تُبنى بالالتزام بالدستور وسيادة القانون.
صادر عن: كيان محامون حماة السلام

زر الذهاب إلى الأعلى