
في مشهد لم يكن مألوفاً في تاريخ السودان الحديث، لم تعد الأخبار تتحدث فقط عن ضبط كميات من الحبوب المخدرة المهربة عبر الحدود، بل أصبحت تكشف النقاب عن شيء أخطر.. مصانع كاملة لإنتاج المخدرات داخل الأراضي السودانية!.. ففي غضون 48 ساعة فقط، أعلنت السلطات الأمنية عن ضبط مصنعين لإنتاج مخدر “الآيس” في الخرطوم، وإحباط مخطط لإنشاء مصانع مماثلة في ثلاث ولايات أخرى، وضبط مواد خام تكفي لإغراق السوق بملايين الحبوب.
هذه التطورات تطرح سؤالاً وجودياً مقلقاً: هل تحول السودان من بلد عبور للمخدرات إلى بلد مصنع لها؟
مداهمات الخميس.. مصانع وآيس وألياف ضوئية للمسيرات
جاء الإعلان الأكبر يوم الخميس، حين كشف مدير الإدارة العامة لمكافحة التهريب بالخرطوم، العميد عباس دينار، عن عملية نوعية أحبطت نشاطاً إجرامياً واسع النطاق. العملية، التي تمت بالتنسيق مع جهاز المخابرات العامة والإدارة العامة لمكافحة المخدرات، أسفرت عن ضبط مصنعين متكاملين لإنتاج مخدر “الآيس”، وهو أحد أخطر المخدرات التخليقية وأسرعها انتشاراً في العالم.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في المصنعين فحسب، بل في طبيعة ما تم ضبطه! فإلى جانب الكميات المهولة من المخدرات الجاهزة – 150 ألف حبة كبتاجون، و170 ألف حبة ترامادول أبيض، و90 ألف حبة ترامادول أصفر، وأربعة كيلوغرامات من الكوكايين، و40 كيساً من الحشيش الصناعي – عثرت القوة المنفذة على ستة براميل من المواد الخام المستخدمة في تصنيع الكبتاجون، تضمنت مادتي الكافين اللامائي والإفدرين، وهما المكونان الأساسيان في صناعة هذا المخدر القاتل.
والأخطر من كل ذلك، ضبط بكرتين من الألياف الضوئية وملحقاتهما. هذه ليست مواد مخدرة، بل تكنولوجيا عسكرية متطورة تستخدم في تحريك الطائرات المسيرة الانتحارية، وحمايتها من التشويش. هذا المزيج المرعب – مخدرات وألياف ضوئية للمسيرات – في مكان واحد، يكشف؛ إما عن تطور نوعي في أساليب التهريب باستخدام الطائرات المسيرة في المواد المخدرة، أو عن تلاقٍ خطير بين عصابات المخدرات وشبكات الإرهاب، ويشير إلى اقتصاد حرب متكامل تديره جهات منظمة.
كما تم ضبط متهمين من دولة أجنبية، مما يعزز الفرضية القائلة بأن ما يجري ليس مجرد اجتهادات فردية لتجار محليين، بل شبكة إجرامية عابرة للحدود تدير عمليات تصنيع متكاملة.
الجمعة.. إجهاض مخطط لتصنيع المخدرات في ثلاث ولايات
في اليوم التالي مباشرة، خرجت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بإعلان لا يقل خطورة: تفكيك شبكة إجرامية عابرة للحدود وإحباط مخطط لإنشاء مصانع مخدرات في ولايات سنار والقضارف وكسلا. هذه الولايات الثلاث، الواقعة في شرق وجنوب شرق السودان، تمثل عمقاً استراتيجياً للبلاد، وتتمتع بحدود طويلة مع إثيوبيا وإريتريا، مما يجعلها مثالية لعمليات التهريب والتصنيع.
العملية أسفرت عن ضبط مصنعين جاهزين لإنتاج “الآيس”، ومواد خام، وأكثر من 400 ألف حبة مخدرة، ومئات الكيلوغرامات من الكوكايين والحشيش.
هذه الأرقام، في يومين فقط، ترسم صورة مفزعة لحجم البنية التحتية للتصنيع التي باتت قائمة في السودان.
نهر النيل.. نيرفاكس ومستحضرات طبية مهربة
في التوقيت نفسه، كانت قوة مكافحة المخدرات بتفتيش العوتيب في ولاية نهر النيل تضبط شحنة ضخمة من مخدر “نيرفاكس” – 99 كرتونة – إلى جانب 60 كرتونة تحتوي على نحو 3,000 عبوة من مستحضر طبي، تنقل في عربة تبريد دون تصاريح رسمية. هذه الشحنة تكشف عن وجه آخر للأزمة؛ تهريب الأدوية والمستحضرات الطبية إلى جانب المخدرات، في إشارة إلى اقتصاد أسود متعدد الرؤوس.
وفي مدينة الدبة بالولاية الشمالية، ألقت الشرطة القبض على متهم بحوزته أكثر من 1,500 حبة مخدرة، بينها 1,333 حبة نيرفاكس و350 حبة ترامادول و249 حبة “لجة”، إلى جانب 18 رأس حشيش ومسدس. وُصفت هذه الضبطية بأنها الأكبر في تاريخ المدينة.
نقلة خطيرة.. حمن “العبور” إلى “التصنيع”
تاريخياً، كان السودان يُصنف كممر لتهريب المخدرات، لا كمصنع لها. فموقعه الجغرافي بين أفريقيا وآسيا، وحدوده الطويلة مع سبع دول، جعلته مساراً مفضلاً لشبكات التهريب الدولية.
لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 غيرت المعادلة بالكامل. انهيار الأمن في كثير من أنحاء البلاد، وضعف الرقابة على الموانئ والمعابر، وانتشار السلاح، وظهور اقتصاديات حرب تديرها مليشيا الدعـ م السـ ريع وشبكات إقليمية متحالفة معها، كلها عوامل حولت السودان من ممر إلى وجهة للتصنيع.
المصانع التي تم ضبطها ليست ورشاً بدائية، بل منشآت متكاملة بمواد خام مستوردة وبراميل كيميائية وآلات تعبئة. هذا المستوى من التنظيم لا يمكن أن تقوم به عصابات محلية بسيطة، بل يتطلب تمويلاً كبيراً، وخبرات تقنية، وشبكات توريد عابرة للحدود، وحماية سياسية وأمنية في بعض الحالات.
والأخطر من ذلك، كما أظهرت ضبطية الخرطوم، هو ارتباط هذه الشبكات بتكنولوجيا عسكرية تستخدم في المسيرات الانتحارية. هذا يعني أن ثمة تقاطعاً خطيراً بين تجارة المخدرات وتمويل الإرهاب، وأن العائدات الضخمة للمخدرات قد تعود لتغذي آلة الحرب نفسها.
القرارات الرسمية.. هل تستيقظ الدولة؟
في خطوة تعكس إدراكاً رسمياً لخطورة الوضع، أصدر مجلس الأمن والدفاع قراراً بحظر استخدام وترخيص مركبات “التندرا”، وهي العربات المفضلة لدى تجار المخدرات والمهربين نظراً لقدرتها على السير في الطرق الوعرة والمناطق الصحراوية.
القرار شمل حجز أي مركبة من هذا النوع، وتسليم التابعة منها للقوات المساندة إلى الاستخبارات العسكرية، والمملوكة للمواطنين إلى مكافحة التهريب.
هذا القرار، رغم رمزيته، يشير إلى أن الدولة بدأت تدرك أن مكافحة المخدرات لا تكون فقط بضبط الشحنات، بل بتجفيف منابع التهريب والتصنيع، وتضييق الخناق على وسائل النقل والإمداد التي تستخدمها الشبكات الإجرامية.
ماذا يعني هذا لمستقبل السودان؟
تحول السودان إلى بلد مصنع للمخدرات، إذا استمر، ستكون له عواقب وخيمة تتجاوز الأمن الداخلي:
1. تهديد الأمن الإقليمي والدولي: فالمخدرات المصنعة في السودان لن تبقى داخله، بل ستتدفق إلى الدول المجاورة وأوروبا وآسيا. هذا سيضع السودان على قوائم المراقبة الدولية، وقد يعرضه لعقوبات إضافية.
2. اقتصاد المخدرات يلتهم الاقتصاد الوطني: كلما نما اقتصاد المخدرات، ضعف الاقتصاد الرسمي. عائدات التهريب والتصنيع تغسل عبر قنوات معقدة، وتستخدم في شراء العقارات والأصول، مما يخلق فقاعة اقتصادية مشوهة.
3. تمويل الحرب والإرهاب: العلاقة بين المخدرات والمسيرات التي كشفتها ضبطية الخرطوم تشير إلى أن العائدات قد تستخدم في تمويل العمليات العسكرية، مما يطيل أمد الحرب.
4. إغراق الجيل الجديد في الإدمان: ملايين الشباب السودانيين الذين فقدوا فرص العمل والتعليم بسبب الحرب، يتحولون إلى سوق مستهدفة لتجار المخدرات، كما أن جانتشار “الآيس” و”الكبتاجون” بين الشباب قد يخلق جيلاً كاملاً من المدمنين.
معركة لا تقل أهمية عن معركة السلاح
فيما تنشغل الدولة السودانية بحربها الوجودية ضد مليشيا الدعم السريع، ثمة حرب أخرى لا تقل خطورة تدور رحاها في الظل؛ حرب المخدرات. والمؤشرات الميدانية ليست مبشرة. فوقائع يومين فقط – مصنعان في الخرطوم، ومخططان في ثلاث ولايات، وآلاف الحبوب المهربة، ومواد خام تكفي لتصنيع الملايين، وألياف ضوئية للمسيرات – كلها تشير إلى أن السودان لم يعد مجرد معبر، بل صار مصنعاً، وسوقاً، ومصدراً.
إن استعادة السودان من المليشيا المتمردة لن تكتمل دون استعادته من المليشيات الاقتصادية وعصابات المخدرات العابرة للحدود. فكما أن تحرير المدن من قبضة المليشيا واجب وطني، فإن تحرير الشباب من قبضة المخدرات، وتطهير البلاد من مصانعها، واجب لا يقل إلحاحاً. وإلا فإن السودان المنتصر في معركة السلاح قد يخسر في معركة العقول والأجساد، ويستيقظ بعد الحرب ليجد نفسه وقد تحول إلى دولة مخدرات بامتياز.



