عثمان فضل الله
حين يرتفع بك الوجد إلى سوح المدينة، لا تعود المدينة حجارةً وأسواقاً ومآذن، وإنما تصير مقاماً من مقامات القلب. هناك، حيث يخف ثقل الجسد، ويصبح الإنسان أقرب إلى نفسه من ظله، يدرك أن المحبة ليست عاطفة عابرة، وإنما معرفة وأن الوجد ليس انفعالاً، وإنما انكشاف؛ انكشاف الروح على معناها الأول.
قال أهل التصوف إن الطريق يبدأ بخطوة، لكنه لا ينتهي بمسافة فكلما ظن السالك أنه بلغ اكتشف أن وراء المقام مقاماً، وأن وراء المحبة محبةً أوسع، حتى يصبح الخلق جميعاً مرآةً لوجه الرحمة الإلهيةلذلك لم يكن الصوفي يسأل عن قبيلة الرجل ولا عن مذهبه ولا عن سلطانه، وإنما كان يسأل هل في قلبه متسع للمحبة؟
المحبة في التصوف ليست ضعفاً، بل أشد صور القوة. لأنها مرآة الانتصار على النفس قبل الانتصار على الآخرين والوجدعندهم ليس هروباً من العالم، بل عودة إليه بقلب أكثر صفاءً، يرى في كل إنسان أثراً من نفخة الله، وفي كل مكسور أمانة تستحق الجبر.
ولعل أعظم ما فقدته بلادنا ليس البيوت التي تهدمت، ولا المدن التي خلت من أهلها، بل ذلك الخيط الخفي الذي كان يصل القلوب بعضها ببعض. حين انكسرت المحبة، صار الاختلاف عداوة، وصار الرأي خندقاً، وصارت السياسة سيفاً يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
في السودان، تبدو الحرب وكأنها معركة على الأرض، لكنها في جوهرها معركة في القلوب فمن امتلأ قلبه بالكراهية لن تكفيه البلاد كلها، ومن امتلأ قلبه بالمحبة سيجد في الوطن المتعب متسعاً للجميع لهذا يقول المتصوفة إن إصلاح العالم يبدأ بإصلاح السريرة، ولاصلاح لسريرة بدون محبة والماعنده محبة ما عنده الحبة لأن الخراب الكبير يولد أولاً في الداخل، ثم يفيض إلى الطرقات.
كم نحن بحاجة اليوم إلى ذلك الوجد الذي لا يفرق بين ضحية وأخرى، ولا يحصي الدماء بل يسعى إلى وقف نزيفها نحتاج إلى محبة ترى في النازح أخاً لا رقماً، وفي الجائع إنساناً لا خبراً، وفي المختلف شريكاً في المصير لا خصماً دائماً. فالأوطان لا تبنى بالكراهية، وإن انتصرت بها الجيوش، وإنما تبنى بالمحبة التي تجعل الناس يؤمنون بأن لهم مستقبلاً واحداً.
وليس التصوف اعتزالاً للحياة كما يظن بعضهم، بل هو مقاومة دائمة لقسوة القلب وأن تظل قادراً على الرحمة وسط الخراب، وعلى العفو وسط الغضب، وعلى رؤية النور في زمن تكاثفت فيه الظلمات. تلك هي الكرامة الكبرى التي لا تُروى في المناقب، بل تُرى في أخلاق الناس.
ربما لا يحتاج السودان اليوم إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى قلوب تعرف معنى الوجد. فالوجد الحق لا يرفع صاحبه فوق الناس، بل يعيده إليهم أكثر تواضعاً وأكثر حباً. وحين تصبح المحبة لغة السياسة، والرحمة ميزان العدالة، والإنسان غاية الدولة، عندها فقط لن تكون المدينة مقاماً يزوره العارفون وحدهم، بل وطناً يسكنه الجميع في طمأنينة.
وفي آخر الطريق، يكتشف السالك أن الله لم يجعل المحبة زينةً للقلوب، وإنما جعلها سبباً لعمارة الأرض. وكل أرض غابت عنها المحبة، وإن كثرت فيها الرايات، ظلت خراباً. وكل وطن عاد إليه الوجد الصافي، عاد إليه الناس، وعادت إليه الحياة.
وبس



