الأعمدة

مقابر السيارات في معارك كردفان… هل هي انتصار للجيش… أم شهادة إدانة على من صنع الكارثة؟!

✍️ كتب المستشار القانوني /محمدالفاتح حضرة :
منذ الأمس، تمتلئ منصات الجيش، وجماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية، ومعها بعض حركات دارفور المسلحة، بالحديث عن الانتصارات العسكرية في بارا وجبرة الشيخ والنهود.
ويرفقون مع تلك الأخبار عشرات الصور لعربات المدنيين المنهوبة، وهي مكدسة ومفككة ومشلعة على امتداد الطرق، وكأنها مقابر للسيارات.
لكن…
كلما رأيت تلك الصور، لم أر فيها انتصاراً.
رأيت وطناً منهوباً…
ورأيت ممتلكات شعبٍ دمرتها الحرب…
ورأيت دليلاً جديداً على حجم الكارثة التي أُنزلت بالسودان.
ثم يلتفتون إلى الشعب السوداني قائلين:
“لقد أنقذناكم من عصابات الدعم السريع.”
بل إن بعضهم يذهب أبعد من ذلك، فيقول:
“لقد أنقذناكم من القحاطة… ومن شباب ثورة ديسمبر.”
وهنا يبدأ العبث.
هل ثورة ديسمبر هي التي صنعت الجنجويد؟!
هل القوى المدنية هي التي جمعتهم وسلحتهم ودربتهم؟
هل هي التي دفعت البرلمان لإجازة قانون قوات الدعم السريع؟
هل هي التي جعلت حميدتي شريكاً في السلطة؟
أم أن الذي فعل ذلك كله هم قادة الجيش، والأجهزة الأمنية، وجماعة الحركة الإسلامية، وحزب المؤتمر الوطني؟
بل…
أليس هؤلاء هم أنفسهم الذين أشركوا الدعم السريع في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وتقاسموا معه السلطة حتى انفجر الصراع بين الشريكين؟
العجيب…
أنهم يروون للشعب كل شيء…
إلا الحقيقة التي يعرفها كل سوداني.
لا يعترفون أبداً بأنهم هم الذين أنشأوا الجنجويد، ثم طوروهم إلى قوات الدعم السريع.
ولا يعترفون بأن هذا القرار كان من أكبر الأخطاء السياسية والعسكرية في تاريخ السودان.
ولا يعترفون بأنهم يتحملون المسؤولية السياسية والأخلاقية عن النتائج الكارثية التي ترتبت عليه.
بل يتحدثون اليوم وكأنهم فوجئوا بحقيقة الدعم السريع!
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني هو:
ماذا يستفيد الشعب السوداني من هذه الحرب؟
وماذا يستفيد إذا انتصر الجيش في بارا، أو انتصر الدعم السريع في مدينة أخرى؟
هل ستعود ملايين الأسر إلى بيوتها؟
هل سيُعاد إعمار الخرطوم ودارفور وكردفان؟
هل سيُحاسب المسؤولون عن المجازر والانتهاكات والاغتصابات والنهب؟
هل ستعود الدولة الدستورية؟
الجواب…
لا.
لأن هذه الحرب ليست معركة الشعب السوداني.
إنها حرب بين شريكي انقلاب تقاسما السلطة، ثم اختلفا على السلطة.
ولهذا…
فإن أي انتصار يحققه أحد الطرفين على الآخر، لن يترتب عليه في حد ذاته أي تقدم في قضية العدل، أو سيادة الدستور، أو بناء دولة القانون والمؤسسات.
بل حتى إذا انتصر الجيش انتصاراً كاملاً، وسحق شريكه السابق الدعم السريع، فإلى أين سيعود السودان؟
في الغالب سنعود إلى ما كنا عليه عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021.
سيبقى الحكم العسكري…
وسيبقى تغول المؤسسة العسكرية على السياسة…
وسيتغير فقط اسم الشريك.
فبدلاً من حميدتي والدعم السريع، سيجلس إلى جوار الجيش حلفاء جدد من بعض حركات دارفور المسلحة، وما يسمى بالقوة المشتركة، وغيرها من التشكيلات المسلحة التي أفرزتها الحرب.
فماذا كسب الشعب السوداني؟
وأين هو التقدم نحو دولة الدستور؟
وأين هي دولة القانون؟
وأين هي أهداف ثورة ديسمبر التي خرج من أجلها ملايين السودانيين؟
لذلك…
أقول لكل سوداني:
لا تنخدع بانتصارات هذا الطرف أو هزائم ذاك.
ولا تسمح لأحد أن يجرك إلى الاصطفاف الأعمى خلف أي من طرفي هذه الحرب.
كما يجب الحذر من الأصوات السياسية والعسكرية التي ترتبط مصالحها باستمرار القتال، سواء كانت من جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية، أو من بعض حركات دارفور المسلحة، أو من أمراء المليشيات، أو من تجار الحرب، أو من كل من يرى في استمرار هذه المأساة طريقاً إلى السلطة أو النفوذ أو المال.
السودان لا يحتاج إلى منتصر في الحرب…
بل يحتاج إلى منتصر للوطن.
يحتاج إلى وقف هذه الحرب العبثية المدمرة…
وإلى استعادة مسار التحول المدني والانتقال الديمقراطي…
وإلى إعادة بناء مؤسسات الدولة…
وإلى محاسبة كل من شارك في الانقلاب، أو أشعل الحرب، أو ارتكب الجرائم بحق الشعب السوداني، أياً كان موقعه أو رتبته أو انتماؤه.
ومن أراد حكم السودان…
فليأتِ عبر صناديق الاقتراع، لا عبر فوهات البنادق.
لا يهم من يكون…
ولا من أي حزب جاء…
ولا من أي إقليم أتى…
فالفيصل الوحيد هو إرادة الشعب، وسيادة الدستور، وخضوع الجميع لحكم القانون.
أما الحرب… فلن تلد دولة.
والمليشيات… لن تبني وطناً.
والانقلابات… لن تصنع شرعية.
وهذه هي الحقيقة التي يحاول المتحاربون إخفاءها عن الشعب السوداني.

زر الذهاب إلى الأعلى