الأعمدة

سنظل نهتف (لا للحرب) وندعو للسلام: الحرب أنهكت العملة السودانية وأعدمت أحلام المواطنين

بقلم/ إيهاب الأمين
لم تعد العملة الوطنية في أي دولة مجرد أوراق نقدية أو أرقام تتغير في شاشات الصرافة، بل هي الدم الذي يسري في عروق الاقتصاد، ومقياس نبض الدولة، لكن في السودان تحول الجنيه السوداني من رمز للسيادة الوطنية إلى ضحية يومية تُذبح على مذبح الحرب، في انهيار مريع لم يشهد له التاريخ الاقتصادي الحديث مثيلاً، تاركاً خلفه شعباً بأكمله يكافح من أجل البقاء.
لم يعد الحديث عن سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الحرة (الدولار الأمريكي، اليورو، والريال السعودي وغيرها) حديثاً عن تذبذب أو انخفاض، بل هو حديث عن انهيار تام وفقدان للقيمة. ففي غضون سنوات قليلة، وبوتيرة متسارعة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فقد الجنيه مئات الأضعاف من قيمته الشرائية.
الريال السعودي الذي كان يمثل شريان الحياة لمئات الآلاف من السودانيين عبر تحويلات المغتربين، والدولار واليورو اللذان يمثلان عصب الاستيراد كلها ارتفعت بأسعار خيالية في السوق الموازي (السوداء)، كذلك ارتفع السعر الرسمي لهذه العملات في البنك المركزي ليؤكد هذا الواقع المأساوي. هذا الفجور في السعر لم يعد يعكس فقط اختلالاً في العرض والطلب، بل يعكس فقداناً تاماً للثقة وللامل في الاقتصاد الوطني وفي المؤسسة النقدية ذاتها.
لا يمكن فهم هذا الانهيار الكارثي بمعزل عن الحرب المدمرة التي تشهدها البلاد، فالسودان لم يعد يعاني من عجز مزمن في الميزانية فحسب بل يعيش حالة اقتصاد حرب مدمر تتلخص أبعاده في:
1/ تدمير قاعدة الإنتاج: الحرب أوقفت عجلة الزراعة والصناعة، ودمرت البنية التحتية، وأغلقت الموانئ والطرق الرئيسية، وعندما تتوقف الدولة عن الإنتاج وتعتمد كلياً على الاستيراد، يصبح الطلب على الدولار شرهاً لا يُشبع، مما يضغط بشدة على الجنيه.
2/نهب البنوك وتدمير النظام المالي: نهب الاحتياطي النقدي وتدمير أجهزة الصراف الآلي أدى إلى شلل في الدورة المالية ودفع المواطنين والتجار للتعامل بالكاش أو عبر الحوالات الخارجية بأسعار مضاعفة.
3/ طبع النقد بلا غطاء: وهي محاولة يائسة وبائسة لتمويل المجهود الحربي وتغطية العجز، يطبعون النقود (رب رب رب) إذ تلجأ الأطراف المتحاربة إلى طبع أوراق نقدية جديدة دون أي غطاء من الذهب أو العملات الأجنبية أو الإنتاج الحقيقي. هذه السيولة الجوفاء تترجم فوراً إلى تضخم مفرط وانهيار حاد في قيمة العملة.
4/ تجزئة السوق والاقتصاد الموازي: انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ اقتصادية مختلفة، وظهور شبكات تهريب تعمل على تهريب الذهب والمحاصيل النقدية للخارج دون إيداع عوائدها في البنك المركزي حرم الدولة من أي احتياطي من العملات الحرة يمكنها من الدفاع عن عملتها.
وبعد فإن وراء كل نقطة انخفاض في سعر الصرف هناك قصة إنسانية مؤلمة لمواطن سوداني، لأن انهيار الجنيه ليس مجرد أرقام اقتصادية بل هو سكين تنحر الطبقة الوسطى وتغرق الفقراء في فقر مدقع، كما أن راتب الموظف أو العامل الذي كان يكفي لأسبوع لم يعد يكفي ليوم واحد بل أحياناً لا يكفي لشراء وجبة غداء لأسرة مكونة من خمسة أفراد. المواطن أصبح يحسب لقمة عيشه بـالجنيهات بدلاً من حسابها بالوجبات.
ومع ارتفاع سعر الدولار واليورو ارتفعت تكلفة استيراد القمح، الأدوية، ومواد الإنتاج الزراعي والبيطري وكانت النتيجة عدم القدرة على شراء الخبز وندرة الأدوية المنقذة للحياة، وارتفاع أسعار الغذاء بنسب تتجاوز 300% و400% في بعض الفترات والمناطق.
كل هذا يتزامن مع انهيار الخدمات الأساسية المدارس، الجامعات، والمستشفيات كلها تعاني من شح الموارد، والمعلم والطبيب اللذان يتقاضيان رواتب تتآكل قبل نهاية الشهر أصبحا غير قادرين على توفير أبسط متطلبات الحياة مما أدى إلى هجرة الكفاءات أو انخراطهما في أعمال هامشية في محاولة يائسة لتحسين الدخل.
بينما عجز المواطن عن تحمل تكاليف المعيشة في مدنه، دفع بملايين الأسر للنزوح القسري ليس فقط من قذائف الحرب بل هرباً من جحيم الغلاء والفقر ليصبحوا نازحين في بلدهم أو يفروا لاجئين إلى دول الجوار بحثاً عن كرامة مفقودة.
إن محاولة إنعاش الجنيه السوداني بقرارات بنكية جوفاء أو بفرض قيود على السحب أو بتغيير مدريري البنك المركزي هي مجرد مسكنات لمرض عضال، فالعملة هي مرآة الاقتصاد، والاقتصاد هو مرآة الاستقرار السياسي والأمني وطالما أن البنادق تتحدث الاقتصاد يُدار بمنطق تمويل الحرب ونهب الموارد سيبقى الجنيه السوداني في هبوط مستمر.
إن إنقاذ العملة السودانية لا يبدأ من قاعات البنك المركزي، بل يبدأ من إيقاف الحرب وحقن الدماء، وعودة مؤسسات الدولة، فبدون سلام شامل وعادل سيبقى الجنيه يحتضر، وسيبقى الشعب السوداني يدفع ثمن هذا الانهيار من دمه وكرامته ومستقبل أبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى