تقارير

كردفان تحت النار: تحولت إلى مصنع للنزوح والمجاعة

يرسم تقرير صادر عن مركز “أكابس”، لتحليل الأزمات (Assessment Capacities Project) صورة دقيقة لما آلت إليه الأوضاع في شمال وجنوب كردفان، ويكشف كيف تحوّلت هذه المنطقة إلى مختبر جديد لأساليب الحصار والتجويع التي اختبرتها قوات الأطراف المتحاربة سابقاً في دارفور.
ويعد “أكابس” مركز تحليل مستقل غير حكومي، مقره النرويج، تأسس عام 2009، لتوفير تحليلات موضوعية ومستقلة حول الأزمات الإنسانية حول العالم، لمساعدة الجهات الإنسانية والمانحين وصنّاع القرار على فهم حجم الاحتياجات وتحديد الأولويات، ولا يتبع لجهة حكومية أو أممية واحدة، بل يُموَّل من عدة جهات مانحة ومنظمات إنسانية.
ويحذّر التقرير من أن معركة السيطرة على مدينة الأبيّض، عاصمة شمال كردفان، مرشحة للتصاعد والتوسع أكثر مع تجدد تحرك الجيش لمنع تمدد قوات الدعم السريع شرقاً نحو الخرطوم. وأشارت تقارير أممية وإنسانية إلى تصاعد الضغط العسكري على مدينة الأبيّض، مع تزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت مرافق المياه والكهرباء والوقود والخدمات الصحية. كما حذرت منظمات دولية من أن المدينة، التي تؤوي مئات الآلاف من السكان والنازحين، قد تتحول إلى بؤرة حصار إنساني جديدة إذا استمرت القيود على الحركة ووصول الإمدادات.
وليست هذه سابقة جديدة على الأبيّض، فالمدينة عاشت حصاراً كاملاً بين أبريل 2023 وفبراير 2025، تعطّل خلاله وصول المساعدات الإنسانية بالكامل تقريباً.
نزوح متسارع وأرقام تتضاعف
منذ 25 أكتوبر 2025 وحتى 15 يناير 2026 – حسب رصد التقرير – شهدت كردفان 63 حادثة اشتباك مسلح، توزعت بين 46 حادثة في جنوب كردفان و18 في شمال كردفان وحادثة واحدة في غرب كردفان. هذه الاشتباكات دفعت أكثر من 88 ألف شخص إلى النزوح خلال أقل من ثلاثة أشهر، في وقت كانت فيه ولاية شمال كردفان تستضيف نحو 222 ألف نازح موزعين على 652 موقعاً، ما يعني أن البنية الاستيعابية للولاية كانت مثقلة قبل أن تبدأ موجة النزوح نتيجة تلك الاشتباكات.
واستقبلت شمال كردفان الموجة الأكبر من النازحين الجدد، بواقع أكثر من 22 ألف نازح مقابل نحو 11 ألفًا في الجنوب، وهو ما يفسره التقرير بأن سكان الجنوب لجأوا إلى نزوح ثانوي نحو الشمال، ثم استمروا في التنقل نحو ولايات أخرى، في دوامة من النزوح المتكرر تستنزف قدرتهم على الصمود مع كل موجة عنف جديدة. وقد توزع هؤلاء النازحون على 526 موقعاً ضمن 69 محلية في 13 ولاية خارج كردفان، بينما استحوذت ولاية شمال كردفان وحدها على ربع إجمالي النازحين، تركّز معظمهم في محليتي شيكان والرهد.
استهداف المدنيين
إلى جانب الأبيّض، يتنازع الجيش وقوات الدعم السريع السيطرة على طريق بارا – أم درمان، الشريان التجاري الرئيسي الذي يربط الخرطوم بشمال كردفان. وتهدد هذه المعركة بقطع طرق الإمداد التجارية والقوافل الإنسانية وتنقل المدنيين، الذين باتوا هدفاً مباشراً لهجمات الطرفين المتحاربين.
ويوثق التقرير سقوط 104 مدنيين بين 25 أكتوبر و16 ديسمبر 2025 جراء ضربات الطائرات المسيّرة في كردفان، من بينهم ضحايا في مستشفيين وروضة أطفال.
ويرجّح التقرير أن العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير، نظراً لتدهور فرص الوصول والتوثيق مع تصاعد القتال في يناير. ويشير التقرير إلى أن الاعتقاد بانتماء النازحين لأحد طرفي النزاع بات يعرّضهم لخطر الاستهداف على نقاط التفتيش وفي مواقع النزوح غير الرسمية على حد سواء، تماماً كما جرى سابقاً في الجزيرة، حيث استُهدف الشبان العائدون إلى ولاياتهم بذريعة الانتماء المفترض للطرف الآخر أو على أساس التصنيف العرقي.
أظهرت تقارير أحدث أن النساء والفتيات أصبحن يواجهن مخاطر مضاعفة أثناء البحث عن المياه، حيث تدفع الضربات بالطائرات المسيّرة السكان إلى جمع المياه ليلاً، ما يزيد من احتمالات التعرض للعنف الجنسي والانتهاكات. وتؤكد وكالات الأمم المتحدة أن تراجع التمويل الإنساني أدى أيضاً إلى تقليص خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويحذّر التقرير من انتشار جرائم تطال النازحين، من عمليات خطف وإخفاء قسري وعنف مسلح وهجمات جوية عشوائية على طرق نزوحهم، إضافة إلى استخدام متفجرات كالقذائف والهاون بشكل يهدد تنقل المدنيين.
ويضاف إلى ذلك ارتفاع حالات انفصال الأسر وتشرّد الأطفال دون مرافقين، ما يعرّضهم لمخاطر خاصة كالتجنيد القسري وعمالة الأطفال في غياب من يرعاهم.
يوثق التقرير استهداف العاملين الإنسانيين ومنشآتهم بشكل متكرر. ففي 28 أكتوبر 2025، قُتل خمسة متطوعين من الهلال الأحمر السوداني في مدينة بارا بشمال كردفان أثناء توزيعهم مساعدات غذائية رسمية. كما استُهدفت سابقاً مركبات ومقار إنسانية موسومة بوضوح في منطقة الأندرابة بشمال كردفان.
الوضع الصحي والخدمات
كذلك خلّف النزاع أضرارًا مباشرة في المرافق الصحية وتعطيلاً في سلاسل الإمداد الطبي، فيما ترتفع الاحتياجات النفسية للأسر المنهكة من الصدمة وحالة عدم اليقين المستمرة. ومنذ يناير 2026، سجّلت شمال كردفان حالات اشتباه بالكوليرا، ناتجة عن ضعف الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي وتأخر التشخيص، وهي عوامل تسرّع انتقال العدوى.
ورغم تمكن الشركاء الإنسانيين من احتواء بعض بؤر الكوليرا في أوائل عام 2026 عبر حملات للمياه والصحة والتغذية، فإن استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة أبقيا خطر تفشي الأمراض وسوء التغذية قائماً، خاصة مع النقص الحاد في تمويل الاستجابة الإنسانية.
أما على صعيد الغذاء، فتواجه ولايتا شمال وجنوب كردفان مستويات أزمة غذائية (المرحلة الثالثة) أو أسوأ، مع توقعات بدخول محليتي الدلنج وكادقلي في مجاعة فعلية قبل نهاية العام 2026. ويتوقع تصنيف “آي بي سي” أن تعيش محلية الشيكان، مايو و أغسطس 2026، ظروف المرحلة الخامسة، أي التجويع الممتد وسوء التغذية الحاد في مواقع نزوح مكتظة.
ورغم نجاح قافلة أممية مشتركة في فبراير 2026 في إيصال مساعدات منقذة للحياة إلى الدلنج وكادقلي لأول مرة منذ أشهر، فإن استهداف قوافل الإغاثة استمر لاحقاً، ما يعكس استمرار المخاطر الأمنية التي تواجه العاملين في المجال الإنساني وصعوبة الحفاظ على خطوط الإمداد مفتوحة بصورة منتظمة.
وحتى مع نجاح الجيش مؤخراً في فك بعض الحصارات، يؤكد التقرير أن المجاعة ستستمر في الدلنج وكادقلي بسبب استمرار القيود على الوصول واضطراب الأسواق. ويشير التقرير أيضاً إلى تسجيل اليونيسف 140 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال في الشيكان والرهد بنهاية يناير، وهي أرقام يرجَّح أنها أقل من الواقع الفعلي.
على مستوى التعليم في جنوب كردفان، أُغلقت معظم مدارس كادقلي بعد نزوح المعلمين وتدهور الوضع الأمني، بينما اضطر الطلاب المتبقون للاندماج في عدد محدود من الصفوف المكتظة. وفي الرابع من ديسمبر 2025، أسفر استهداف روضة أطفال بطائرة مسيّرة في محلية غدير بجنوب كردفان عن مقتل أكثر من عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات.
وإلى جانب انهيار التعليم، أدى الضرر المتعمد وغير المتعمد بالبنية التحتية للاتصالات إلى انقطاع متكرر في خدمات الهاتف والإنترنت في شمال وجنوب كردفان، ما جعل التحقق من أعداد الضحايا والنازحين مهمة بالغة الصعوبة، وترك مجتمعات بأكملها معزولة عن أي مساعدة أو معلومة.
دوافع الصراع ومآلاته
يشير التقرير إلى أن انعدام الأمن يبقى العائق الأكبر أمام وصول المساعدات، إلى جانب تعقيدات إدارية تفرضها السلطات المسيطرة على المناطق المتنازع عليها، عبر تشديد إجراءات تصاريح السفر.
وفي 26 يناير، فتح الجيش طريقاً نحو مدينة الدلنج قد يتيح مستقبلاً توسيع نطاق المساعدات، لكن التقرير يشير إلى أن من غير الواضح بعد ما إذا كانت المساعدات قد وصلت فعلياً عبر هذا الطريق.
ويعزو التقرير تصاعد المعارك في كردفان إلى تنازع الجيش وقوات الدعم السريع، إضافة إلى حركة عبد العزيز آدم الحلو “الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال”، على السيطرة على أصول استراتيجية، أبرزها البنية النفطية واللوجستية القابلة للاستثمار مستقبلاً، فضلاً عن وجود شبكات موصوفة بالموالاة لقوات الدعم السريع في المنطقة.
ويضاف إلى مأساة النزوح عاملان مفاقمان، الأول مناخي، إذ تتكرر الفيضانات الموسمية بين يونيو وسبتمبر، وتترافق مع موجات جفاف تدمر الملاجئ والمحاصيل وتستنزف مصادر المياه الشحيحة أصلاً، ما يغذّي احتكاكات جديدة بين الرعاة والمزارعين على الموارد المتبقية. أما العامل الثاني فهو استمرار تدفق اللاجئين من جنوب السودان والعائدين السودانيين، هرباً من الاضطرابات هناك، إذ تستضيف كردفان أكثر من 114 ألف لاجئ وطالب لجوء منذ العام الماضي، ما يزيد الضغط على موارد وخدمات مثقلة أصلاً بأعباء النزوح الداخلي.
وتشير أحدث تحليلات ACAPS إلى أن المخاطر الإنسانية في كردفان مرشحة لمزيد من التفاقم خلال عام 2026، مع توقع استمرار النزوح، واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، وازدياد القيود على الوصول الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية حول الأبيّض والممرات الحيوية التي تربط كردفان ببقية أنحاء السودان.
المصدر: تقرير مركز أكابس (ACAPS) لتحليل الأزمات، “النزوح الناجم عن النزاع في شمال وجنوب كردفان”.

زر الذهاب إلى الأعلى