المنوعات

كريت الهندي… هنديُّ الأصل، سودانيُّ المولد، دامريُّ القلب

قد تحمل الأقدار الإنسان إلى وطن، لكن المحبة وحدها هي التي تجعل الوطن يسكن الإنسان. وهذه هي حكاية كريت كانت فولابداس؛ رجلٌ هنديُّ الأصل، سودانيُّ المولد، دامريُّ الهوى، نسجت الأيام بينه وبين أهل الدامر ميثاقًا من الود والوفاء لا تنقضه السنون.
وُلد بمدينة كسلا عام 1942م في حي الهنود المجاور للسوق، وسط أسرة عُرفت بالتجارة والعمل والكفاح. تلقى تعليمه في بورتسودان، غير أن ظروف الحياة دفعته إلى ترك الدراسة مبكرًا ليقف إلى جانب والده في إدارة التجارة، فكان العمل مدرسته الأولى، والسوق معلمه الأكبر.
ولأن التجارة عند الهنود تُورَّث كما تُورَّث القيم، أرسله والده إلى مدينة عطبرة ليعيش مع شقيقته وزوجها ديرو جلال، وهناك أمضى عامين يتلقى أصول البيع والشراء، ويتعلم أن التاجر الحقيقي لا يبيع السلع وحدها، بل يبيع الصدق قبلها، ويكسب الناس قبل الأرباح.
ثم انتقل إلى ود مدني حيث أقاربه، فأقام ست سنوات أضافت إلى شخصيته خبرةً ونضجًا، قبل أن يحط رحاله في أم درمان أربعة أشهر بين كبار التجار الهنود في سوقها العريق، فازدادت تجربته اتساعًا، وأصبح أكثر استعدادًا لبداية جديدة ستغيّر مجرى حياته.
وجاءت تلك البداية في مدينة الدامر، المدينة التي لم تكن محطةً عابرة، بل كانت قدرًا جميلاً. ففي عام 1958م افتتح متجره الشهير “تاج محل”، الذي أصبح أحد معالم الدامر، يضم العطور والملابس والأقمشة ومتطلبات الزواج والأعراس، حتى صار مقصدًا لأهل المدينة وقراها وضواحيها.
لكن كريت لم يكن مجرد تاجر يقف خلف طاولة البيع، بل كان إنسانًا فتح قلبه قبل متجره. عرف الناس واحدًا واحدًا، وشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وجلس في مجالسهم، واستمع إلى حكاياتهم، وحفظ أسماءهم ووجوههم وملامح أيامهم، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة الاجتماعية للدامر.
استقر بمنزله في مربع (5)، وهناك لم يكن جارًا فحسب، بل أخًا وصديقًا ورفيقًا لأهل الحي. كانت أبواب منزله مفتوحة، وابتسامته تسبق حديثه، فامتدت علاقاته من قلب الدامر إلى قراها وضواحيها، وصار الناس يعرفونه كما يعرفون أبناء المدينة.
ولأن الرياضة كانت لغةً أخرى للمحبة، ارتبط وجدانه بـ نادي السهم الرياضي بالدامر، فشجعه ووقف إلى جانبه، ووجد في ميادينه مساحةً جديدةً للتقارب مع الناس، حتى غدت المدرجات مكانًا آخر يلتقي فيه بأصدقائه وأحبته.
وفي عام 1970م تزوج من السيدة واسننتي، وهي من بنات الجالية الهندية بمدينة كسلا، ورُزقا بابنهما الوحيد ينيش، الذي اعتنق الإسلام، وتزوج من سودانية، في صورةٍ جميلة تعكس عمق التداخل الإنساني الذي صنعته هذه الأرض الطيبة.
وأثناء توثيقي لسيرته، وبمعاونة ابنه، لمست أن قلب الرجل كان أقرب ما يكون إلى روح الإسلام في قيمه ومعانيه؛ في محبته للناس، وفي تسامحه، وفي وفائه، وفي إحسانه إلى من حوله. فالدين في جوهره أخلاق، وقد كانت أخلاقه عنوانًا لحياته.
وحين حدثني عن الدامر، لم يكن يتحدث عن مدينة من الطين والحجر، بل عن وطنٍ سكن أعماقه. كان يردد كلماتٍ يختلط فيها الحنين بالامتنان، ثم أوصاني أن أكتب على لسانه:
«”إذا جاء أجلي، فأمنيتي أن يكون قبري في السودان… في الأرض التي منحتني أهلًا، وأعطتني عمرًا من المحبة، وجعلتني واحدًا من ناسها.”»
أي حبٍ هذا الذي يجعل الغريب يختار أن تكون آخر محطاته في أرضٍ أحبها حتى صار ترابها أغلى عنده من كل بقاع الدنيا؟
ولم ينس كريت أن يبعث برسائل الوفاء والعرفان لكل من شاركوه رحلة العمر، فخص بالشكر والامتنان الأستاذ عمر إبراهيم جلال من أهالي المكابراب، تلك العلاقة التي امتدت قرابة خمسة وثلاثين عامًا، كما استذكر بكل وفاء المرحوم بابكر عوض درملي، والمرحوم عبدالله طالب، والأستاذ عمر إبراهيم نصار، والأستاذ سيد السيسي، وضابط الشرطة خوجلي، والمرحوم حسن النعيم، والخليفة مجذوب برسي وأحمد الكجم وكل أسرة الحريري والحاج عباس من الموسياب، والمرحوم الخليفة أحمد عبدالله حسن، والمرحوم علي عوض الشيخ الخليفة، والأستاذ عبدالغفار المندوب من العالياب، وكل من كان لهم أثر في رحلته وحياته.
لقد أثبت كريت أن الأوطان لا تُقاس بالأصول، وإنما بما يتركه الإنسان فيها من محبة. فالدامر بالنسبة إليه لم تكن مكانًا للسكن، بل كانت بيتًا كبيرًا احتواه، وأهلًا احتضنوه، وذكرياتٍ صارت جزءًا من روحه. أحب أهلها فأحبوه، وأخلص لهم فأخلصوا له، حتى ذابت الفوارق، ولم يبق إلا إنسان أحب الإنسان.
سلامٌ ودعاءٌ موصول للأخ كريت كانت فولابداس، نسأل الله أن يمده بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره، ويجزيه خير الجزاء على ما زرعه من محبةٍ وصفاءٍ ووفاء بين أهل الدامر، وأن تبقى سيرته شاهدًا على أن الإنسانية هي أجمل جنسية يحملها الإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى