الأقتصاد

حظر واستثناءات.. هل تُنعش التجارة والاقتصاد أم تُربكه؟

تقرير ــ أمين محمد الأمين / امدرتايمز


أثارت السياسات الأخيرة لوزارة الصناعة والتجارة السودانية — بشأن حظر استيراد السلع الكمالية وفتح باب الاستثناءات الفردية عبر لجنة مختصة — موجةً من النقاشات الحادة في الأوساط الاقتصادية. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوزارة أن هذه الخطوات تستهدف حماية المنتج المحلي وتوطين الاستثمارات، يرى خبراء واقتصاديون أن القرار يحمل في طياته تشوهات هيكلية قد تأتي بنتائج عكسية على مجمل البيئة الاستثمارية والسوق المحلية.
​نهج تشاركي
شدد الباحث والخبير الاقتصادي، الرشيد معتصم، على ضرورة اتخاذ القرارات الاقتصادية عبر نهج تشاركي يستصحب كافة أصحاب المصلحة، بدءاً من الوزارات والجهات الحكومية ذات الصلة، مروراً بالخبراء، الموردين، المصنعين، والقطاع المصرفي، وصولاً إلى المستهلك. وأكد معتصم أن الخطوة الأولى تتطلب إجراء دراسات أثر اقتصادي قائمة على بيانات إحصائية دقيقة بعيداً عن الصيغ الإنشائية، مشيراً إلى أن نجاح هذه الآلية يظل مرهوناً بـ المؤسسات لتقديم خدمات عصريّة وفعالة.
معايير الحظر
وأوضح معتصم أن سياسات حظر السلع في عصر الانفتاح الاقتصادي أصبحت ترتبط بالاشتراطات والمواصفات القياسية للحفاظ على الصحة العامة والبيئة وضمان الجودة، بدلاً من القيود الكمية المباشرة. وأضاف أن دور الوزارات المعنية لا يقتصر على حماية المستهلك فحسب، بل يمتد إلى توجيه مؤشرات الاقتصاد الكلي من خلال سياسات تدعم الرقابة على الإنتاج، وضبط التكاليف، وتحفيز المصدرين.
​دعم الإنتاج
وفيما يتعلق بالفرص المتاحة، أكد الخبير الاقتصادي أن السودان يمتلك مقومات واعدة لتحقيق عوائد ضخمة من القطاع التحويلي، ولا سيما الصناعات الغذائية، حال توفر التركيز الحكومي اللازم واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية. وتأسف معتصم على الواقع الراهن للمناطق الصناعية القديمة القابعة في قلوب الأحياء السكنية، والتي تعاني من تدهور مريء في البنية التحتية، وسط غياب الرؤية لإنشاء مدن صناعية حديثة وتأخر طرح سياسات تحفيزية لجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، مشيراً أيضاً إلى الإهمال الذي يطال المشروعات الصغيرة والمتوسطة وسلع الصادر الوطنية.
​معالجة جذريّة
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي، الدكتور عادل إدريس، إلى أن فتح باب الاستثناءات الفردية يُعدّ هروباً صريحاً من معالجة الاختلالات الاقتصادية الجوهرية، لافتاً إلى أن هذا التوجه يُسهم في خلق “سوق موازية” داخل أروقة مؤسسات الدولة. وأوضح أن القرار بوضعه الحالي يتحول من أداة تنظيمية للتجارة إلى وسيلة للتمييز، ما يُشكل مدخلاً مباشراً للممارسات الاحتكارية والفساد الإداري في ظل غياب المعايير الشفافة وسيادة المنسوبية والوساطة.
​عجز صناعي
وأشار إدريس إلى أن القطاع الصناعي المحلي يرزح تحت وطأة اختناقات حادة في مدخلات الإنتاج وشح الطاقة وصعوبة التمويل، مؤكداً أنه من غير المنطقي مطالبته بسد الفجوة الناجمة عن قرارات الحظر المفاجئة. وتحسّب الخبير الاقتصادي من أن النتيجة الحتمية لهذه السياسات ستنعكس في تناقص المعروض السلعي، ما يولد موجات غلاء متصاعدة يقع عبئها المباشر على كاهل المواطن.
​مخاطر استثمارية
وفي سياق متصل، حذّر إدريس من أن الاضطراب والتغيير المتكرر في قرارات الاستيراد يخلقان حالة عميقة من عدم اليقين تُجهض أي تخطيط مستقبلي للموردين، بالنظر إلى الارتفاع الحاد في تكلفة المخاطرة. وشدّد على أن المستثمر الأجنبي والمحلي يبحث بالدرجة الأولى عن الاستقرار وقابلية التنبؤ بالأوضاع، مبيناً أن حالة السيولة التشريعية والتعديل اليومي للقوانين يبعثان برسائل سلبية مفادها أن البيئة المحلية تفتقر إلى عوامل الجذب والأمان الاستثماري.
خاتمة التقرير
​بين الرؤية المنهجية التي طرحها الرشيد معتصم والنقد التحليلي الصارم الذي قدمه الدكتور عادل إدريس، يتضح أن الاستلاب الاستيرادي لا يُعالج بمسكنات الاستثناءات ولا بالقرارات الفوقية؛ بل بإرادة سياسية ترسي استقراراً تشريعياً وتعتمد الشفافية والأتمتة أساساً للبناء الاقتصادي. إن تحريك عجلة الإنتاج الوطني يظل رهيناً بتهيئة البيئة الاستثمارية وتحديث بنيتها التحتية، لا بإغلاق المنافذ أمام السوق دون إعداد البديل الكفء.

زر الذهاب إلى الأعلى