
بقلم/ إيهاب الأمين
حقّ للحركة الإسلامية أن تنادي باستمرار الحرب ورفض أي فكرة تؤدي إلى إيقافها لأنها استفادت من هذه الحرب التي قتلت الأبرياء وانتهكت المواطنين فوائد عظيمة أضافت مكاسب للكيزان معظمها مخطط له وبعضه لم يكن متوقعاً، وأبسط هذه المكاسب وأقواها تأثيراً أن جعلت النقاش وحوارات المنصات تبعد عن محاسبة الكيزان وكيفية محاكمتهم وحرمانهم من أي دور جديد ومن المشاركة في أي عمل سياسي قادم، بل وصار من يطلبون السلام ويرفضون الحرب يوصفون بأنهم رافضون للجيش ويساندون الدعم السريع وعملاء ويحاربون الدين وكأنما كانت حكومة الحركة الإسلامية لها أخلاق الإسلام أو أنها تقوم بأعمال دينية حقيقية، ورغم خطل الفكرة بشكل عام إلا أن إعلام القوى المدنية وقع في الفخ الذي رتبه الإعلام الكيزاني واستجاب لمراوغاتهم الثعلبية فصارت القوى المدنية في موقف المتهم بدلاً عن أن تكون هي القاضي ، وضاعت جهود معظم منصات القوى المدنية في التحاور والنقاش حول الأفراد والشخصيات ومعظمهم أشخاص غير معروفين وليسوا ذوي تأثير، فأضحوا مشاهير وانشغل الناس بهم عن القضايا وعن محاسبة الكيزان عن جرائم استمرت طيلة أكثر من خمس وثلاثين عاماً.
أنا اليوم أريد فقط التذكير ببعض جرائم هؤلاء الوحوش القتلة وسفاكي الدماء ولعلنا نذكر كلنا أن انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 لم يكن مجرد استيلاء على السلطة بقوة السلاح، بل كان نقطة تحول مأساوية في تاريخ السودان الحديث، فمنذ اللحظة الأولى لم تتعامل الحركة الإسلامية مع الدولة باعتبارها وطناً يتسع لجميع أبنائه وإنما بوصفها غنيمة، تُقسم بين الموالين وتُدار بمنطق التنظيم لا بمنطق الوطن.
كانت أولى الضحايا هي الخدمة المدنية ذلك الصرح الذي تراكمت خبراته عبر عقود طويلة، فباسم ما عُرف بـالصالح العام تم إقصاء عشرات الآلاف من الموظفين وأصحاب الكفاءة والنزاهة لا لقصور في أدائهم بل لأنهم لم ينتموا إلى التنظيم الحاكم، وحلّ محلهم عناصر يدين ولاؤها للحركة الإسلامية قبل أن تدين بالولاء للدولة، فصار الانتماء السياسي مقدماً على الكفاءة والولاء مقدماً على الخبرة لتبدأ مؤسسات الدولة رحلة طويلة من التدهور والترهل.
ثم امتدت يد التمكين إلى كل مفاصل البلاد فامتلأت الوزارات والمؤسسات والشركات العامة بالمحسوبية وغدا المال العام نهباً لشبكات المصالح وبعض الأفراد حتى أصبح الفساد والثراء غير المشروع ملازمين لسنوات حكمهم، وتحولت موارد السودان الهائلة التي كان يمكن أن تصنع دولة مزدهرة إلى موارد مهدرة في الفساد وسوء الإدارة، بينما ظل المواطن يزداد فقراً يوماً بعد يوم.
أما التعليم الذي كان يوماً من مفاخر السودان فقد أصابه ما أصاب غيره، حيث تراجعت الجامعات والمدارس، وانخفضت جودة المناهج وتبددت هيبة المؤسسات التعليمية حتى صار كثير من الطلاب يبحثون عن مستقبلهم خارج حدود الوطن، ولعل الأسوأ من كل هذا في جوانب التعليم منح الشهادات العليا وعلى رأسها الدكتوراة لابناء الحزب دون جهد حقيقي ودون كفاءة بل وبعضهم منحوه ثلاث شهادات دكتوراة ومستواه لا يؤهله لنيل الشهادة الثانوية، أما الصحة فقد صارت استثماراً يغتني منه الكيزان وتحولت من خدمة عامة إلى عبء ثقيل على كاهل المواطن مع تراجع المستشفيات الحكومية وهجرة الكفاءات الطبية وارتفاع تكلفة العلاج إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر.
ولم يكتفِ النظام بإضعاف مؤسسات الدولة بل أحكم قبضته على الإعلام فحوّله من سلطة رقابية إلى أداة للدعاية السياسية، فأصبح الكذب يُقدَّم في ثوب الحقيقة، والإشاعة تُسوَّق على أنها خبر، والضحية تُتَّهَم، بينما يُمنح الجاني فرصة الظهور بمظهر المنقذ، وعندما تقع الأخطاء أو تتكشف الفضائح، كانت آلة الدعاية تبحث دائماً عن شماعة جديدة تعلق عليها الإخفاقات، حتى وإن كان الجميع يعلم من صنع الأزمة ومن راكم أسبابها.
إن أخطر ما فعلته الحركة الإسلامية لم يكن فقط ما قامت به من فساد أو استبداد بل ما أحدثته من تصدع في مفهوم الدولة نفسها، فقد أضاعت الثقة في المؤسسات ورسخت ثقافة الولاء بدلاً من الاستحقاق، وأدخلت المجتمع في حالة من الاستقطاب الحاد حتى أصبح الانتماء السياسي في كل الأحوال هو معيار الفرص والحقوق.
لم تكن حصيلة تلك السنوات مجرد أزمات اقتصادية أو إخفاقات سياسية بل مشروعاً كاملاً انتهى إلى إضعاف الدولة وتمزيق النسيج الوطني وإرهاق الاقتصاد وفتح أبواب الأزمات التي ظل السودان يدفع ثمنها.
إن الأمم قد تتعثر لكنها تنهض حين تُحترم الكفاءة، ويُصان القانون، ويُقدَّم الوطن على الحزب، أما حين تصبح الدولة مزرعة لتنظيم واحد ومؤسساتها أدوات لخدمة فئة بعينها فإن النتيجة الحتمية هي انهيار الثقة وضياع العدالة، واستنزاف مقدرات البلاد.
لقد أوضحت التجربة السودانية درساً بالغ القسوة هو انه لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا أقام سلطانه على الإقصاء ولا يمكن لأي دولة أن تستقيم إذا صار الولاء بديلاً عن الكفاءة والحزب بديلاً عن الوطن والدعاية بديلاً عن الحقيقة، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وإنما تُبنى بالعدل والمؤسسات والشفافية واحترام الإنسان.



