الأعمدة

الإسلام السياسي وتجارة الدين: قراءة نقدية في تجربة حزب الحركة الإسلامية

بقلم/ إيهاب الأمين
تُعدّ تجربة الإسلام السياسي وتحديداً تنظيم الإخوان المسلمون (المسلمون بالواو) وفروعه في البلدان العربية من أكثر التجارب السياسية إثارةً للجدل في التاريخ العربي المعاصر، فمنذ تأسيس التنظيم في مصر عام 1928 على يد حسن البنا تباينت الآراء حول طبيعة هذا المشروع هل هو حركة دعوية إصلاحية أم تنظيم سياسي يتخذ من الدين غطاءً للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها وبعد عقود من الممارسة السياسية في أكثر من بلد عربي تتراكم الشواهد التي تجعل النقد الموضوعي لهذه التجربة ضرورةً فكرية وسياسية.
إن أخطر ما ميّز خطاب الإخوان المسلمون عبر تاريخهم هو الخلط المنهجي بين المجال الديني والمجال السياسي فالخطاب التنظيمي يقدّم البرنامج السياسي الحزبي بوصفه مشروعاً إسلامياً، ويجعل من معارضة الحزب معارضةً للدين ذاته، هذا الخلط لم يكن بريئاً أو عفويّاً بل كان أداةً وظيفية من أجل تحصين القيادة من النقد، فكل مساءلة سياسية تُحوَّل إلى حرب على الإسلام.
بعد ذلك نجد تجنيد الأتباع عاطفياً، إذ يُستثار الوازع الديني لخدمة أهداف تنظيمية ضيقة.
ومن ثم إسكات المعارضة، فمَن يعارض الحزب يُوصَم بالعداء للدين فيُخرَج من دائرة الشرعية المجتمعية.
ومن الأشياء الأكثر خطورة استخدام الدين كسلعة انتخابية، ففي كل بلد عربي وصل فيه الإخوان إلى مربع السياسة الانتخابية – مصر، تونس، المغرب، الأردن – تكرّر النمط ذاته، شعارات دينية فضفاضة في الحملات الانتخابية ووعود بـتطبيق الشريعة دون برامج اقتصادية أو تنموية واضحة، ثم عجز بيّن عن إدارة شؤون الدولة عند الوصول إلى السلطة، التجربة المصرية القصيرة (2012–2013) والتجربة التونسية مع حركة النهضة كشفتا أن الرصيد الحقيقي للتنظيم لم يكن كفاءة إدارية أو رؤية تنموية، بل قدرة على تعبئة المشاعر الدينية.
بعد ذلك ننتقل إلى السودان ــ المختبر الأكثر مأساوية
وكان انقلاب 1989 يعلن الدين في خدمة البندقية
ففي الثلاثين من يونيو 1989، استولى العميد عمر البشير على السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي ومنذ اللحظة الأولى، رُفِع شعار الإنقاذ والمشروع الحضاري الإسلامي، لكن الممارسة الفعلية كانت نقيض كل ما ادّعاه الخطاب حيث بدأ من احتكار الدين فأُخضِعَت المساجد والخطب الدينية لرقابة أمنية صارمة وأُقصِيَ كل عالم أو داعية لا يوالي النظام ولم يعد الدين رسالة روحية بل أداة ضبط أمني.
وظهر الفساد المؤسَّسي تحت غطاء الدولة الإسلامية حيث نشأت طبقة من المنتفعين الذين احتكروا الاقتصاد والمال العام بينما تدهورت الخدمات العامة وتفاقمت حدة الفقر.
ورأى الناسقمع الحريات واعتُقِل وعُذِّب وقُتِل معارضون سياسيون باسم حماية المشروع الإسلامي. وبدأت حكومة الإسلاميين في إشعال الحروب وتسييس القبيلة، وهذا ربما يكون أفدح ما فعله نظام الإنقاذ في السودان وهو توظيف الانتماءات القبلية والإثنية كأداة حرب وسيطرة، ونذكر ما حدث في دارفور، فمنذ عام 2003 اعتمد النظام على تسليح ميليشيات قبلية (الجنجويد) لمواجهة حركات تمرّد ذات جذور إثنية، والنتيجة كانت كارثة إنسانية راح ضحيتها مئات الآلاف ونزوح ملايين ولا شك أن ما جرى كان إبادة جماعية إذ لم يكن هذا صراعاً قبلياً طبيعياً بل كان هندسة سياسية متعمَّدة بقصد (قسّم تسُد).
وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق تكرّر السيناريو ذاته، حيث استُخدمت الانتماءات القبلية لتأليب المجموعات السكانية ضد بعضها.
وشهد الكل تفتيت النسيج الاجتماعي حيث حوّل النظام القبيلة من وحدة اجتماعية وثقافية إلى وحدة عسكرية وسياسية فزرع أحقاداً ستستغرق أجيالاً لمداواتها.
ثم كان فصل الجنوب الثمن الأغلى، ففي يوليو 2011 انفصل جنوب السودان ليصبح دولة مستقلة، هذا الانفصال لم يكن حتمية تاريخية بقدر ما كان ثمرة مباشرة لسياسات نظام الإنقاذ.
ولابد أن نستقرأ فرض الهوية الأحادية إذ أصرّ النظام على أسلمة وتعريب الجنوب ذي الأغلبية المسيحية فألغى التعددية الثقافية والدينية التي كانت سمة السودان التاريخية، وظلت الحرب الأهلية جرحاً غائراً في جسد البلاد حيث استمر القتال في الجنوب لعقود وأُنفِقت مليارات الدولارات على آلة الحرب بدلاً من التنمية، ولا ننسى رفض الإسلاميون اتفاقية الميرغني / قرنق إبان الفترة الديمقراطية والتي كانت ستطوي صفحات هذه الحرب دون خسائر. والمدهش أن الإسلاميين هم انفسهم من قام بعمل اتفاقية نيفاشا 2005 والتي جاءت متأخرة وبعد دمار هائل ونصّت على حق تقرير المصير الذي أفضى إلى الانفصال
ففقد السودان ثلث مساحته ومعظم ثروته النفطية وملايين من مواطنيه وكل ذلك تحت راية المشروع الحضاري الإسلامي الذي كان يُفترَض أن يوحِّد لا أن يمزّق.
وللأسف الأسيف حتى بعد سقوط البشير في أبريل 2019 لم ينتهِ أثر ثلاثة عقود من الحكم الكيزاني الفاسد فالقبيلة ما زالت مُسيَّسة والاقتصاد منهار والحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع هي امتداد لمنطق تسليح القبائل الذي أسّسه نظام الإنقاذ، وهاهو السودان اليوم يدفع فاتورة عقود من المتاجرة بالدين والعبث بالهوية.
النقد الموجَّه للكيزان كتنظيم سياسي لا يعني نقداً للإسلام كدين فالإسلام تراث حضاري وروحي يتجاوز أي حزب أو جماعة لكنّ الفصل بين الدين كقيمة روحية وأخلاقية وبين التنظيم السياسي الذي يتاجر به هو الخطوة الأولى نحو أي إصلاح حقيقي.
إن التجربة السودانية بما حملته من حروب وانفصال وتمزق اجتماعي واقتصادي تقف شاهداً صارخاً على ما يمكن أن يفعله خلط الدين بالسلطة حين تُدار الدولة بعقلية التنظيم لا بعقلية المواطنة، والمتاجرة بالدين ليست مجرد خطيئة أخلاقية بل هي – كما أثبتت الوقائع – وصفة مؤكدة لتدمير الأوطان.
السؤال الذي يواجه المجتمعات الإسلامية اليوم ليس هو هل نريد ديناً في حياتنا؟، بل هو كيف نحمي ديننا ممن يتاجر به، ونحمي أوطاننا ممن يختزلها في شعار؟، والإجابة لا تكون إلا بوجود دولة مواطنة مدنية تحترم الدين كقيمة روحية فردية وجماعية، لكنها لا تسمح لأي حزب أو جماعة باحتكاره أو توظيفه كأداة سلطة.
مصادر ومراجع:
1/الديمقراطية والانتخابات في السودان، تأليف عبدالله علي إبراهيم. مركز الدراسات السودانية، الخرطوم.
2/ الرسالة الثانية من الإسلام، تأليف محمود محمد طه، دار التنوير، بيروت، 1967.
3/الديمقراطية في السودان، تأليف د
حسن الترابي، دار الفكر الخرطوم (للاطلاع على الخطاب الداخلي).
4/ السودان: الدولة والإسلام، تأليف عبدالرحمن علي، مركز الدراسات السودانية.
5/ الحركة الإسلامية في السودان: قراءة نقدية، تأليف محمد أبوسن، دار عزة الخرطوم.
6/ السودان: أزمة الهوية والتنمية، تأليف عبدالماجد أبو إدريس، دار عزة، الخرطوم.

زر الذهاب إلى الأعلى