محمد بابكر يكتب: صواريخ (سبايدر) الإسرائيلية هل وضعت لحماية سد النهضة أم للضغط على القاهرة و الخرطوم

يثير الدور الإسرائيلي المتشعب في حوض النيل لا سيما في ظل أزمة سد النهضة الإثيوبي تساؤلات بالغة الخطورة حول الأهداف الحقيقية لتل أبيب في المنطقة.
بينما تسوق إسرائيل تعاونها الإفريقي على أنه تنموي وتقني بحت يرى محللون إستراتيجيون أن الواقع يحمل أبعادا أعمق بكثير ويكشف عن مساعٍ حثيثة للتحكم في مقدرات دول المصب عبر بوابة إثيوبيا.
لم يكن الاهتمام الإسرائيلي بمياه النيل وليد اللحظة بل ضربت جذوره في الفكر الصهيوني المبكر حين اقترح مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل عام 1903 مشروعا لنقل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر شبه جزيرة سيناء. ورغم فشل المحاولات التاريخية المتعاقبة إلا أن الفكرة تحورت ولم تختفِ من الأدبيات الاستراتيجية إذ أن التحركات الإسرائيلية محكومة بعقيدة جغرافية وتوسعية متجددة مما يجعل أي تقارب مع دول حوض النيل بمثابة ورقة ضغط استراتيجية في خاصرة الأمن القومي السوداني المصري و العربي.
استبدلت تل أبيب فكرة نقل المياه جغرافيا إلى أراضيها بعد اكتفائها الذاتي عبر تقنيات التحلية المتقدمة بفكرة السيطرة غير المباشرة والتحكم الاستراتيجي بمفاصل المياه في دول المنبع.
خلال العقود الأخيرة تمكنت إسرائيل من نسج شبكة معقدة من العلاقات مع أديس أبابا متجاوزة حدود التبادل الدبلوماسي العادي لتصل إلى مستويات بالغة الحساسية تمس الأمن المائي المصري والسوداني.
فالتوجه الإسرائيلي لا يسعى لنقل مياه النيل عبر الأنابيب الجغرافية لأراضيها بل يسعى لامتلاك مفاتيح الصنبور الإثيوبي للتحكم في تدفق الحياة نحو وادي النيل. ويظهر ذلك جليا عبر التسليح العسكري المستمر من خلال تقارير عديدة تؤكد نصب منظومات دفاع جوي متقدمة من طراز (سبايدر) حول سد النهضة لحمايته من أي ضربات استباقية محتملة إلى جانب توفير الاستشارات الهندسية والمائية المتقدمة لإدارة السدود وتطوير تقنيات الري والزراعة مما يعزز القدرة الإثيوبية على فرض سياسة الأمر الواقع. فضلا عن ذلك تتجلى هذه الشراكة في الاستثمارات الضخمة للشركات الإسرائيلية في أثيوبيا في قطاعات الطاقة والاتصالات والزراعة والغطاء الدبلوماسي المشترك الذي يهدف إلى كسر عزلة إسرائيل الإفريقية ومنح إثيوبيا دعما دوليا يعينها على التعنت في المفاوضات.
إن استهداف الأمن المائي لمصر والسودان لا يتم حصرا عبر استهلاك المياه بل عبر هندسة النفوذ الإقليمي واستخدام الهيمنة المطلقة في إثيوبيا كأداة ضغط مستمرة لكسر الإرادة السياسية في القضايا المصيرية وتطويق الأمن القومي العربي بإيجاد موطئ قدم دائم في الحديقة الخلفية للقرن الإفريقي والتحكم غير المباشر بمصير ملايين البشر عبر تعزيز التعنت الإثيوبي في ملء وتشغيل السد ليضع شريان الحياة الوحيد تحت وطأة التهديد الوجودي المستمر.
ولا يتوقف النقاش الدائر حول هذا الملف عند الحدود الهندسية والسياسية التقليدية بل يتقاطع أحيانا مع سرديات فكرية وعقائدية ونبوءات تاريخية ودينية تتبناها عدد من النخب الشعبية تؤثر في قراءة المشهد الإقليمي المعقد. وتبرز في هذا السياق فرضيات ورؤى غير تقليدية لطبيعة الصراع من أبرزها التصورات التي تربط بين مستقبل السودان كأرض زراعية خصبة وإمكانيات تحوله إلى مركز إقليمي للغذاء وإدارة الموارد وسط تفسيرات خاصة تربط هذه المنطقة بتحولات جغرافية وسياسية كبرى. وتشير التحليلات الميدانية من هذه الزاوية إلى أن التعامل الإسرائيلي مع سد النهضة لا يستهدف تدمير السودان أو إغراقه بالكامل بل يعتمد على سياسة مدروسة للتحكم في تدفقات المياه. ويتم استغلال فتح وإغلاق بوابات السد خلال مواسم الفيضان والخريف كأداة ضغط اقتصادي ونفسي على الشعب والحكومة السودانية لإهدار جهود الزراعة وإحداث حالة من الإنهاك المعيشي ولإحباط الشعب ودفعه نحو الهجرة والتفريغ السكاني دون تدمير البنية التحتية الأساسية التي تحتاجهها خطط النفوذ طويلة الأجل لاقامة دولة بني إسرائيل في السودان (أرض الميعاد) واحلال شعوب يهود التيه(الجنجويد وترحيل يهود الخزر) بعد أن فشلت إسرائيل في افراغ السودان من شعبه عبر الحرب التي نفذتها في السودان عبر وكلائها(أمريكا والامارات)والتي أفشلها الجيش السوداني والقوات المساندة له بثباتهم وفدائيتهم وتكتيكهم العالي
إن الهدف الأعمق من السيطرة على مفاصل النيل الأزرق الذي يمثل نسبة70٪ من إيرادات نهرالنيل هو إحكام الحصار المائي على مصر والتي تخشي إسرائيل واجهتها عسكريا ودفعها نحو التراجع السياسي والاقتصادي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
ويفسر المراقبون حرص إسرائيل بدعمها لإثيوبيا ونشر منظومات دفاع جوي متقدمة لحماية سد النهضة بأنه رغبة أكيدة في استمرار إبقاء سلاح التحكم المائي الاستراتيجي قيد الخدمة والسيطرة باعتباره الأداة الأبرز للتحكم بمصير دولتي المصب والضغط على قرارهما السياسي واستقرارهما الداخلي.
لم يعد أمام مصر والسودان لمواجهة هذا المخطط الإقليمي المتشعب خيار سوى اعتماد استراتيجية شاملة ومتكاملة تتداخل فيها الأدوات الدبلوماسية والتنموية والأمنية. وتتطلب هذه المواجهة إحداث تغيير جذري في معادلة الحوافز عبر تقديم عروض تنموية واستثمارية كبرى لدول المنبع لإثبات أن التعاون المستدام مع محيطها العربي ووادي النيل يمنحها عوائد تنموية تفوق التحالفات الإقليمية المؤقتة والضيقة.
كما تتطلب بناء جبهة إفريقية موحدة من خلال تكثيف الحوار الدبلوماسي مع باقي دول حوض النيل لترسيخ مبدأ المنفعة المشتركة وعدم الإضرار بدول المصب والضغط الفاعل لإبرام اتفاقيات ملزمة قانونا تنظم قواعد الملء والتشغيل. إلى جانب ذلك تبرز الحاجة الملحة لتعزيز الردع الاستراتيجي برفع مستوى التنسيق العسكري والأمني المشترك بين مصر والسودان لحماية الأمن القومي وصد أي محاولات لابتزاز السيادة الوطنية بالتوازي مع تعظيم كفاءة الموارد المائية عبر الاستثمار المكثف في تقنيات الري الحديثة وإعادة تدوير المياه ومشروعات تقليل الفاقد لزيادة العائد المائي الإجمالي وتحقيق الأمن الغذائي والمائي المستدام في ظل التحديات المناخية والديموغرافية المتسارعة.
في الختام لم يعد التوغل الإسرائيلي في ملف مياه النيل مجرد تحركات دبلوماسية عابرة أو استثمارات تقنية معزولة بل تحول إلى عقيدة استراتيجية متكاملة تهدف إلى هندسة النفوذ وتطويق الأمن القومي العربي والإفريقي من الحديقة الخلفية.
إن خطورة هذه السيطرة غير المباشرة لا تكمن فقط في تقليص حصص دول المصب أو التهديد الوجودي المتمثل في تعطيش الملايين وكسر الإرادة السياسية بل تمتد لتفرغ السيادة الوطنية من مضمونها وتجعل شريان الحياة التاريخي رهينا لأجندات إقليمية ودولية لا تضمر خيرا لشعبي وادي النيل.
إن مواجهة هذا الحصار المائي الممنهج وإفشال مخططاته العدائية لم تعد خيارا سياسيا قابلا للتأجيل بل هي فريضة وجودية وضرورة حتمية تتطلب إرادة عربية وإفريقية صلبة. ولا يمكن كسر هذه الهيمنة إلا بتكامل استراتيجي شامل بين مصر والسودان يدمج بين الردع الأمني والدبلوماسية الهجومية وتعظيم كفاءة الموارد المائية الداخلية.
إن حماية مياه النيل اليوم هي حماية لبقاء الأمة واستمرار حضارتها والوقوف سدا منيعا بوجه كل محاولات تحويل شريان الحياة إلى أداة لتركيع الشعوب.



