
كتبت الأستاذة/ نجلاء كرار :
هناك من يظن أن أصوات المدافع قادرة على إسكات صوت الشعب، وأن الحرب يمكن أن تفتح أبوابًا أغلقتها الثورة بإرادة ملايين السودانيين. لكن التاريخ يعلمنا أن الشرعية التي تُسقطها الجماهير لا تعيدها البنادق.
لقد جاءت ثورة ديسمبر بعد سنوات طويلة من الاحتقان، مطالبة بدولة تقوم على الحرية والسلام والعدالة، ورافضةً استمرار النهج الذي حكم السودان لعقود. لم يكن الأمر مجرد احتجاج على حكومة، بل كان رفضًا لمشروع سياسي كامل، ولطريقة في إدارة الدولة رأى كثير من السودانيين أنها قادت البلاد إلى أزمات متراكمة.
واليوم، وبينما يعيش السودان واحدة من أسوأ مراحله، تبرز محاولات لاستثمار الحرب سياسيًا، وكأنها فرصة لإعادة تقديم قوى فقدت ثقة قطاع واسع من الشعب. وهذه المحاولات، في تقديري، لا تمثل مخرجًا من الأزمة، بل تهدد بإعادة إنتاج الأسباب التي قادت إليها.
الحرب لا تمنح الشرعية، ولا تعيد الثقة، ولا تلغي الإرادة الشعبية. وإذا كانت الثورة قد أسقطت مشروعًا سياسيًا عبر الحراك السلمي، فإن محاولة إعادته من خلال واقع الحرب تعني الالتفاف على جوهر التحول الديمقراطي.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير الصراعات القديمة، ولا إلى إعادة إنتاج الاستقطاب الذي أنهك المجتمع. ما يحتاجه هو مشروع وطني جديد، يقوم على الدولة المدنية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والمساءلة، واحترام إرادة المواطنين.
إن بناء المستقبل لا يكون بالعودة إلى الوراء، ولا بتحويل الحرب إلى وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية. فالسودانيون يستحقون سلامًا حقيقيًا، وعدالةً حقيقية، ودولةً لا تُحكم بالخوف أو السلاح، وإنما بإرادة شعبها.
لقد أثبت الشعب السوداني أنه قادر على إسقاط أي سلطة عندما يفقد الثقة فيها. ومن يراهن على أن الحرب ستمحو ذاكرة الشعوب، يراهن على وهم. فالثورات قد تتعثر، لكنها لا تنسى لماذا قامت، ولا تتخلى عن أهدافها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه: هل نريد أن تكون الحرب طريقًا لبناء دولة جديدة، أم جسرًا للعودة إلى الأزمات التي خرج الشعب أصلًا لرفضها



