الأعمدة

الحركة الإسلامية وإرثها المدمر في السودان

بقلم/ إيهاب الأمين
ثلاثة عقود كاملة حكمت فيها الحركة الإسلامية السودان (1989-2019) باسم الإسلام وشعارات الجهاد والتمكين لكنها تركت خلفها دولة منهكة ومجتمعاً ممزقاً ووطناً ضائعاً،هذا المقال يستعرض بعض المحطات الكبرى في ذلك الإرث دون مبالغة ولا افتراء بل بما هو موثّق ومعروف، كما أنني أحاول فيه تجميع ما ذكرت في مقالات سابقة وأرد على بعض من ناقشوا طرحي بشكل عقلاني على قلتهم.
في صبيحة 30 يونيو 1989 استيقظ السودانيون على انقلاب عسكري أطاح بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي لم يكن الانقلاب مجرد استيلاء عسكري على السلطة بل كان تنفيذاً مخطّطاً لمشروع الإنقاذ الذي أعدّ له حسن الترابي وكان السؤال الذي طرحه كثيرون كيف يمكن لمن يدّعون الانتماء للإسلام أن ينقلبوا على إرادة شعب اختار ممثليه ديمقراطياً؟ حلّت الأحزاب وعُطلت الصحف وأُغلقت النقابات ومُنع التظاهر وأصبح السودان دولة بوليسية تحت ستار المشروع الحضاري.
واحدة من أخطر ممارسات الحقبة الإنقاذية كانت تحويل الإسلام إلى أداة سياسية حيث فُرضت الشرطة الأمنية لتراقب الناس في ملابسهم وسلوكهم اليومي وعُرِفت باسم شرطة النظام العام التي طاردت النساء بتهمة الزي الفاضح، واستُخدم الدين لتبرير القمع وتكريس السلطة وإسكات المعارضين. لكن السؤال الأعمق هو هل كان التطبيق فعلياً إسلامياً أم كان انتقائياً يخدم السلطة وحدها؟ فالفساد استفحل والربا لم يختفِ والعدالة الاجتماعية تآكلت.
شهدت الحقبة الإنقاذية انتهاكات واسعة وموثّقة على رأسها بيوت الأشباح فقد اعتُقل الآلاف في سجون سرية تعرّضوا للتعذيب المنهجي.
وفي شهر رمضان أُعدم 28 ضابطاً من القوات المسلحة في نوفمبر 1989 دون محاكمة عادلة في حادثة تذكرنا باغتيال الأستاذ محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهوري في 1985، وتسميم عدد من القيادات السياسية لاحقاً، وقبلها إعدام قادة الحزب الشيوعي على يد جعفر نميري.
وهُجّر آلاف السودانيين من مناطقهم بحجج التطوير العمراني كما حدث في مناطق حول الخرطوم.
وأقامت الحركة الإسلامية ما عُرف بسياسة التمكين، وهي إحلال كوادر الحركة الإسلامية محلّ الموظفين المدنيين في مؤسسات الدولة فتحوّلت الوظيفة العامة من معيار الكفاءة إلى معيار الولاء الحزبي. ونمت الثروات فجأة بين قادة الحركة وانتشرت المشاريع الاستثمارية المملوكة للحزب حتى اتُّهمت الحركة الإسلامية بتحويل الدولة إلى مشروع استثماري عائلي.
وربما يكون الإرث الأكثر دموية للحركة الإسلامية هو الحرب في دارفور منذ 2003، إذ شُنّت حملات راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين فأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق الرئيس المخلوع عمر البشير ووزير دفاعه وآخرين آنذاك بتهم جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولم يكتفِ النظام بذلك بل أنشأ مليشيات مثل الدفاع الشعبي ثم مليشيا الجنجويد التي ارتكبت مجازر موثّقة واستخدمت الاغتصاب سلاحاً حربياً.
وفي عام 2011 انفصل جنوب السودان بعد استفتاء شعبي ليصبح السودان القديم دولتينو لم يكن الانفصال مفاجئاً بل نتيجة طبيعية لعقود من التهميش والقمع والتعالي العرقي والديني من المركز تجاه الأطراف فدفع السودان ثمن مشروع الإنقاذ الإسلامي بفقدان ثلث مساحته ومعظم نفطه.
وتحوّل السودان من دولة ذات إمكانات زراعية هائلة إلى دولة منهكة اقتصادياً وارتفع التضخّم إلى مستويات قياسية وفقد الجنيه السوداني أكثر من 90% من قيمته وارتفعت الأسعار وعانى المواطنون من ندرة الوقود والخبز والدواء وكانت المظاهرات ضد الغلاء هي الشرارة التي أشعلت ثورة ديسمبر 2018، حيث خرج السودانيون في ثورة شعبية عارمة أطاحت بالبشير في 11 أبريل 2019 لكن إرث الثلاثين عاماً لم يذهب مع سقوط النظام فقد تركت الحركة الإسلامية وراءها مؤسسات دولة عميقة موالية للنظام القديم عطلت الانتقال الديمقراطي، وانقسامات مجتمعية عميقة بين الإسلاميين وعامة الشعب وبين المركز والأطراف.
وخلقت حكومة الإسلاميين اقتصاداً منهاراً لا يزال يعاني من تبعات التمكين والفساد، وكان تأثير هذه الكوارث ظهور جيل ضائع من الشباب الذين فقدوا سنواتهم في البطالة والهجرة.
ثلاثة عقود من الحكم باسم الإسلام كانت حصيلتها دولة مفككة، مجتمع ممزق، واقتصاد محطم.

زر الذهاب إلى الأعلى