
✍️ محمد الفاتح حضرة
كل حرب…
لها فاتورة.
هناك فاتورة يدفعها الجندي في ميدان القتال…
وفاتورة يدفعها المواطن حين يفقد بيته…
وفاتورة تدفعها الدولة حين تنهار مؤسساتها…
وهذه كلها يراها الناس.
ولكن…
هنالك فاتورة أخرى…
هي الأكبر…
وهي الأخطر…
وهي التي لا يتحدث عنها أحد..
إنها…
فاتورة الأجيال القادمة ‼️
بعد سنوات…
سيتوقف إطلاق النار…
وسيجلس قادة الحرب حول طاولات التفاوض…
وسيتبادل السياسيون الابتسامات…
وسيكتب كل طرف روايته عن البطولة والانتصار.
و لكن…
من سيعيد طفلاً حُرم من المدرسة ثلاث أو أربع سنوات؟
ومن سيعيد طالباً جامعياً ضاعت أجمل سنوات عمره؟
ومن سيعيد للوطن آلاف الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين الذين غادروه؟
ومن سيعيد للمزارع أرضه…
وللتاجر متجره…
وللأسرة بيتها…
وللطفل طفولته؟
إن الأمم لا تُقاس بعدد الدبابات…
ولا بعدد البنادق…
بل بما تملكه من إنسانٍ متعلم…
وصحيح…
وآمن…
وقادر على بناء وطنه.
منذ 15 أبريل 2023…
يدفع أهل السودان أغلى ما يملكون ..ثمناً للحرب
🫵يدفعون مستقبل أولادهم ‼️
جيلٌ كامل نشأ على أصوات المدافع…
بدلاً من أجراس المدارس.
يحفظ أسماء الأسلحة…
أكثر مما يحفظ أسماء العلماء.
ورأى القتل…
قبل أن يتعلم معنى الحياة.
وشاهد الكراهية و العنصرية…
قبل أن يعرف معنى الوطن.
ثم نأتي ونسأل بعد سنوات:
لماذا إنتشرت الجريمة في السودان؟
ولماذا زاد العنف؟
ولماذا ضعفت قيم التسامح؟
وكأننا نسينا…
أن ذلك الطفل الذي عاش الحرب والنزاعات المسلحة …
قد ظلَّ يحمل الحرب داخله سنواتٍ طويلة.
Flash Back
قبل أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً…
🫵قيل لأهل دارفور:
إصبروا…
فالنصر قريب.
🫵وقيل لهم:
تحملوا النزوح…
وتحملوا الجوع…
وتحملوا الخوف…
فبعد النصر…
ستعود القرى…
وسيعود المزارعون إلى حقولهم…
وسينتهي التهميش وستزول المظلومية التأريخية .
وبعد مضى ربع قرن علي مأساة دارفور…
كبرت أجيال كاملة داخل معسكرات النزوح…
ومات آباء وأمهات…
وهم ينتظرون العودة إلى قراهم والي بيوتهم.
وولد أطفال…
لم يعرفوا من الوطن…
إلا الخيام…
وصفوف الإغاثة…
وإنتظار المساعدات الإنسانية.
🧐🫵أما الكثيرون من قادة ذلك الصراع والحركات المسلحة …
فقد تبدلت أحوالهم…
وتغيرت مواقعهم…
ودخل بعضهم السلطة…
وأصبح بعضهم وزراء وكبار مسؤولين…
بينما ظلَّ ذلك المواطن البسيط…
ينتظر.
🫵واليوم في السودان…
لم تعد دارفور وحدها التي تعيش تلك المأساة.
بل أصبح السودان كله يسير في الطريق نفسه.
نزوح…
ولجوء…
وإنقطاع للتعليم…
وإنهيار للخدمات…
وتدمير للإقتصاد…
وتفكك للأسر…
وضياع لأعوامٍ من أعمار الشباب.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل وتحدث أثناء إشتعال المعارك…
أن كثيراً من أصحاب القرار…
وكثيراً من أصحاب النفوذ…
يملكون القدرة على إبعاد أسرهم عن ويلات الحرب في السودان..
فيبحثون لهم عن أماكن أكثر أمناً خارج السودان…
ويواصل الأبناء تعليمهم بعيداً عن أصوات المدافع…
وتستمر حياتهم بصورةٍ أقرب إلى الاستقرار.
أما المواطن البسيط…
فهو الذي يبقى تحت القصف…
وهو الذي يفقد المدرسة…
والمستشفى…
ومصدر الرزق…
وهو الذي ينتظر سنواتٍ طويلة حتى يبدأ حياته من جديد.
🧐🫵ولهذا…
فإن السؤال الحقيقي ليس:
من الذي يقود الحرب؟
🫵بل:
من الذي دفع فاتورتها؟
🧐🫵انظروا الآن إلى حال دارفور…
ليس إلى أخبار المعارك…
بل إلى معسكرات النزوح.
قبل حرب 15 أبريل 2023م…
كانت تلك المعسكرات شاهداً على أن خمسةً وعشرين عاماً من الحرب الأهلية في دارفور والفتن القبلية والقتال ضد الحزب الحاكم …
لم تكن كافية لإعادة أهل دارفور إلى ديارهم.
ثم إندلعت الحرب الحالية 15 أبريل 2023…
فماذا حدث للنازحين الدارفوريين 🤔
لقد ظن بعض الناس أن معسكرات دارفور قد إختفت.
نعم…
لقد إختفت…
لكن ليس لأن أهلها عادوا إلى قراهم…
وليس لأن أسباب النزوح قد إنتهت…
وليس لأن السلام قد تحقق في دارفور .
🫵بل لأن دارفور نفسها…
لم تعد آمنةً حتى لمعسكرات النازحين ‼️
فنزح النازحون…
وهرب الهاربون.
وانتقلت المأساة إلى أماكن أخرى.
إلى تشاد…
وإلى الولاية الشمالية…
وإلى شرق السودان…
وإلى كل بقعة ظن أهلها أنها أكثر أمناً.
وهكذا…
لم تنتهِ معسكرات النزوح الدارفورية…
بل إنتقلت…
وأتسعت…
وأزداد عدد سكان المعسكرات…
وأزداد معها الألم.
إنها مأساة نادرة…
أن يصبح النازح…
نازحاً مرةً أخرى.
🧐🫵ثم أسأل نفسك …
بالله عليك ..
بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من نزوح أهل دارفور…
كم واحداً منهم عاد إلى حياته التي كان يعيشها قبل الحرب في دارفور ؟
كم طفلاً وُلد داخل تلك المعسكرات…
ثم أصبح اليوم رجلاً؟
وماذا وجد أمامه؟
كم واحداً حظي بتعليمٍ مستقر؟
وكم واحداً وجد فرصة عملٍ كريمة؟
وكم واحداً دفعته قسوة الظروف إلى حمل السلاح…
أو الهجرة…
أو الارتحال بحثاً عن حياةٍ لم يجدها في وطنه؟
هذه…
هي الفاتورة الحقيقية للحروب والنزاعات الأهلية المسلحة ..
إنها لا تسرق عاماً…
ولا خمسة أعوام…
🫵بل إنها تسرق عمراً كاملاً‼️
ولهذا…
أخشى القول …
أن السودان كله قد دخل الآن الطريق الذي دخلته دارفور منذ العام 2003م.
وأخشى القول …
بأنه سيأتي يوم…
ربما بعد خمسةٍ وعشرين سنةً من الآن…
فينظر أحفادنا إلى معسكرات النزوح التي خلّفتها حرب 15 أبريل 2023م…
🧐🤔ويتساءلون:
كيف سمح ذلك الجيل لهذه الحرب في السودان أن تستمر كل هذا الوقت؟
وحينها…
لن يكون أولائك الذين إتخذوا قرارات الحرب في السودان…
هم الذين يدفعون الثمن.
تلك الفاتورة…
سيدفعها أطفال السودان…
جيلًا بعد جيل ربما لـ 100 سنة ‼️
ولذلك…
فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه اليوم ليس:
من سينتصر في هذه الحرب؟
بل:
أي وطن سنتركه لأطفالنا عندما تنتهي هذه الحرب ؟
إنَّ الحروب…
يصنعها القادة والشيوخ والزعماء …
🫵ولكنَّ فواتيرها…
تدفعها فقط الفئات الفقيرة والمقهورة من تلك الشعوب.



