الأخبار

قراءة في الرسائل غير المعلنة لاجتماع واشنطن السري حول السودان

لا تُقاس أهمية الاجتماعات بما يصدر عنها من بيانات، بل أحيانًا بما يُقرر عدم إعلانه. وكلما ارتفع مستوى السرية، اتسعت دائرة الأسئلة حول ما دفع صناع القرار إلى الاجتماع بعيدًا عن الأضواء.
من هذا المنطلق، يكتسب قرار لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي عقد جلسة مغلقة بتصنيف TS/SCI لمناقشة الحرب في السودان أهمية تتجاوز كثيرًا عنوان الاجتماع نفسه. فالتصنيف الأمني المستخدم لا يُمنح لأن الأزمة خطيرة فحسب، بل لأن المعلومات التي ستُعرض أمام أعضاء اللجنة تُعد، وفق المعايير الأمريكية، ذات حساسية بالغة وتمس تقديرات الأمن القومي.
اجتماع في توقيت مهم
واللافت أن هذا الاجتماع يأتي في مرحلة تشهد فيها الحرب في السودان تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة تنظر إليها الولايات المتحدة منذ سنوات باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الدولي، وليست مجرد نطاق جغرافي يجاور السودان.
ولا يقتصر اهتمام واشنطن بالسودان على الاعتبارات الإنسانية، رغم أن الأزمة الإنسانية تُعد من أكبر الأزمات في العالم وفق توصيفات الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية، بل يمتد إلى اعتبارات أكثر تعقيدًا تتصل بأمن الممرات البحرية، واستقرار دول الجوار، ومكافحة الإرهاب، والحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومراقبة التنافس المتزايد بين القوى الدولية والإقليمية في أفريقيا.
ماذا تناقش الإدارة الأمريكية
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: ماذا سيقال داخل الاجتماع؟ لأن الإجابة ستظل محاطة بالسرية، وإنما: لماذا قررت المؤسسات الأمريكية رفع مستوى التعامل مع الملف السوداني إلى هذا المستوى من المتابعة الاستخباراتية؟
الإجابة لا تكمن في حدث واحد، وإنما في تراكم جملة من المؤشرات التي دفعت صناع القرار في واشنطن إلى إعادة تقييم المشهد السوداني من منظور يتجاوز حدود النزاع الداخلي. فاستمرار الحرب دون أفق واضح للتسوية، واتساع رقعة الكارثة الإنسانية، وتصاعد المخاوف من انعكاسات الصراع على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، جميعها عوامل جعلت السودان حاضرًا بصورة متزايدة في اجتماعات الكونغرس، ووزارة الخارجية، والمؤسسات الأمنية الأمريكية.
ومن المهم التمييز بين الاهتمام السياسي والاهتمام الاستخباراتي. فالكونغرس ناقش السودان مرات عديدة منذ اندلاع الحرب، وأصدرت الإدارة الأمريكية عشرات البيانات المتعلقة بالأزمة، إلا أن عقد جلسة مغلقة بهذا المستوى من السرية يعني أن النقاش لم يعد يقتصر على المواقف السياسية أو الدبلوماسية، بل أصبح يستند إلى معلومات وتقديرات لا تُتاح للرأي العام، وقد يكون لها تأثير في مراجعة السياسة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، فإن من الخطأ تفسير الاجتماع باعتباره مؤشرًا على قرار أمريكي وشيك بالتدخل المباشر أو تبني سياسة جديدة بصورة فورية.
فالنظام الأمريكي في صناعة القرار يقوم على مراحل متتابعة تبدأ بجمع المعلومات، ثم تحليلها، فمناقشتها داخل المؤسسات المختصة، قبل أن تتحول إلى خيارات سياسية أو تشريعية أو تنفيذية.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذه الجلسة تكمن في كونها حلقة ضمن عملية مؤسسية أوسع لإعادة تقييم الحرب في السودان وتداعياتها، وليس في توقع صدور قرارات حاسمة فور انتهائها.
وفي هذا السياق، نشر الثلاثاء، تقريراً بعنوان “جلسة أمريكية سرية رفيعة المستوى حول السودان… لماذا الآن؟ وما الذي قد يترتب عليها؟” يحاول قراءة أبعاد الاجتماع المرتقب من خلال
الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما هي لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي؟
لماذا تُعد من أكثر لجان الكونغرس تأثيرًا؟ ولماذا اختارت عقد جلسة مغلقة حول السودان في هذا التوقيت؟
وهل يمثل الاجتماع تحركًا جديدًا أم امتدادًا لمسار قائم؟ وما الذي قد تكشفه طبيعة الجلسة عن نظرة الولايات المتحدة إلى الحرب في السودان؟
وأخيرًا، ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا لما قد يترتب على هذا الاجتماع في إطار السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال المرحلة المقبلة؟

زر الذهاب إلى الأعلى