الأعمدة

الخيارات الوطنية والسياسية السهلة… والممتنعة لكل قائد ناجح!

(موطيء قلم) :

محمد عبد الله برقاوي
كثير من بلدان العالم سقطت في وهدات الحروب، أو عانت ويلات التخلف التنموي، وقلة الموارد، وضعف الاقتصاد، فافتقدت أساسيات الحياة الكريمة، وندر فيها التعليم والصحة والخدمات، وغرقت في مستنقع الفساد الذي أفرزته سياسات دولة غير راشدة.
غير أن رحمة الله اقتضت أن يهيئ لبعض تلك البلدان قادة استثنائيين، جلسوا على سدة الحكم بعقول نافذة وبصائر ثاقبة؛ كأن لكل واحد منهم أربع عيون: عينان تنظران إلى الوراء بعيدا تقرآن الماضي بكل ما فيه من أخطاء، وعينان تستشرفان الأفق الواسع للمستقبل، فيضع الرؤى والسياسات، ويوقظ الضمير الوطني، ويصدق مع شعبه، ويشحذ همم المواطنين للمشاركة في البناء، ويجعل القانون فوق الجميع.
ولعل تجربة رواندا خير مثال على ذلك؛ فقد خرجت من واحدة من أبشع المآسي الإنسانية، لكن شعبها تعلّم من قسوة الحرب، وقادها رجل وهو الرئيس بول كيغامي الذي جعل السلام قيمة عليا، ونبذ الحرب، وسعى إلى رأب الصدع بين مكونات المجتمع، متجاوزًا العصبيات العرقية والقبلية، ورفع مستوى الوعي الوطني، ولا سيما وسط الشباب، كما أنصف المرأة وعدّها شريكًا أصيلًا في بناء الأسرة وخدمة المجتمع، بعيدًا عن الإقصاء أو التحيز أو استغلال الدين أو الأعراف لتبرير التمييز.
وعلى النهج نفسه، جاءت التجربة الماليزية؛ إذ ركز قائد نهضتها الحديثة الدكتور مخاتير محمد.
وقد اقتفى نهج التعليم التقني بوصفه الخطوة الأولى في بناء الإنسان، باعتباره حجر الزاوية في نهضة الوطن تنمويًا وحضاريًا وتقنيًا. ولهذا ابتعث آلاف الشباب والفتيات لدراسة العلوم التطبيقية في الخارج.
وحين سُئل عن سر انتقال ماليزيا من مؤخرة الاقتصادات إلى مصاف الدول المتقدمة، أجاب بمقولته الشهيرة: “أنا كقائد مسلم، عندما أؤدي فرضي الديني فقبلتي مكة، أما عندما أبحث عن مصلحة بلادي فإنني أنظر إلى طوكيو بوصفها نموذجًا يُحتذى.”
أما عراب نهضة سنغافورة الحديثة، الزعيم التاريخي و رئيس وزائها الراحل لي كوان فقد تسلم بلاده وهي تعاني حتى في توفير المياه الصالحة للشرب، لكنه بدأ أولًا بمحاربة الفساد، وكان يؤمن بأن تنظيف السلم يبدأ من أعلاه، لا من درجاته السفلى.
وكما قال شاعرنا الراحل فضل الله محمد في أحد أناشيده الوطنية، التي تغنى بها الفنان محمد الأمين:
القيادة أمانة صعبة…
والسياسة عملٌ وتفانٍ…
ما شعاراتٌ أو أماني.
إن القائد الذي يسخر نفسه لإنقاذ شعبه، وتحقيق نهضة بلاده، وإسعاد مواطنيه، عليه أن يختار طريق السهل الممتنع؛ أي أن يتحلى بالوطنية الصادقة، ويتجرد من الأحلام والمصالح الذاتية، ويجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن يدفع بآليات السلام، لا أن يصر على توسيع دائرة الحرب وإشعال ما تبقى من هشيم الوطن.
وعليه كذلك أن يدرك أن للسلام أعداء، كما أن للحرب منتفعين، وأن القائد الصادق في مشروعه الوطني سيجد شعبه من خلفه، يسانده ويشد أزره، ويقول له:
سر، يرعاك الله، فنحن من خلفك ما دمت مخلصًا لوطنك، وفيًا لعهدك، صادقًا في إنجازك.
والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى