لم يعد من المجدي الوقوف طويلاً عند مسببات الأزمة العميقة التي تضرب كل أركان البلاد، وأفرزت من الكوارث الإنسانية ما جعلها تُصنَّف ضمن الأسوأ على مستوى العالم المعاصر.
ولعل الأجدى لكل الحائرين في دروب التنكّب السياسي أن يعوا، بقوة الإرادة وصدق النوايا، أن فجوة عميقة قد سقطت فيها البلاد، حتى أصبحت تشكل شرخاً دائماً في نسيجها الاجتماعي، نتيجة تكالب معاول الخلافات التي حفرت طويلاً في أرض المشهد الوطني، ربما منذ فجر الاستقلال، عبر صراعات سياسية لم تنضج خلالها ثمرة الوعي الديمقراطي، لا على مستوى القيادات الحزبية والسياسية، ولا حتى في مضمار الممارسة الشعبية.
يضاف إلى ذلك تغوّل الطموحات العسكرية في اعتلاء سدة الحكم مراراً، والتي تسللت عبر تلك الفجوة، فعكست خللاً في استحقاقات الممارسة السياسية المنقوصة، وأدخلت البلاد في دوائر متكررة من الانقلابات والصراعات.
ومع ذلك، ورغم تسلسل كوارث الحروب التي طال دخانها وتفاوتت مسبباتها وأزماتها، وما أفضت إليه من نتائج وخيمة، كانفصال الجنوب الذي يظل واحداً من أسوأ الأمثلة، فإن الحرب التي تدور رحاها حالياً، ومنذ ما يقارب الأربعة أعوام، تبدو الحفرة الأكبر التي سقطت فيها البلاد، عسكرياً وشعبياً.
فقد أفرزت هذه الحرب من الكتائب والمليشيات والتشكيلات المسلحة ما زاد من تعقيد المعضلة التي تصدى لها الجيش نفسه، والذي أسهم في مراحل سابقة في خلق بعضها لأغراض أمنية وعسكرية، في صورة تشبه من يربي القطط لمحاربة الفئران في داره، ثم لا يلبث أن يكتشف أن تلك القطط قد تضخمت أجسامها، حتى أصبحت هي ذاتها مشكلة تهدد صاحب الدار، ويستعصي عليه التخلص منها أو ترويضها وإعادتها إلى حظيرة السيطرة!
وفي الجانب الآخر، تتفاقم مأساة النزوح واللجوء على المستوى الشعبي، في واحدة من أسوأ صور البؤس واليأس، مع تراجع الأمل في إمكانية العودة إلى الديار في ظل سلام اجتماعي مستقر وتوافق عسكري لا يزال يتراءى في البعيد كسراب خلف ضباب مشهد مرتبك.
وفي خضم ذلك، تتعثر خطوات البحث عن حل سياسي، سواء عبر الكتل المدنية التي يتصاعد خلافها حول من يشارك ومن يُستبعد، أو عبر غياب رؤية واضحة لحل عسكري يمكن أن ينهي الصراع بين المعسكرات، فيما يزعم كل معسكر أنه سيد الميدان، وأن الحسم لا يزال ممكناً.
وبين هذا وذاك، تتسع الفجوة التي يسقط فيها الوطن كل صباح، بينما يقف العالم منتظراً الخطوة الأولى من أهل الحل والعقد في الداخل، حتى يقول كلمته، ويمد يده للمساعدة في ردم هذه الفجوة التي أصبحت أعمق من مجرد خندق عسكري، وأخطر من مجرد خلاف سياسي.
فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: من ينتصر؟
بل: كيف نردم الفجوة التي خلّفها الصراع، ونستعيد وطناً كاد أن يسقط من بين أيدي الجميع؟
وهنا يبقى السؤال الأصعب:
متى… وكيف؟
والله المستعان.



