الأعمدة

“من “قحت” إلى “صمود”.. هل يقع المدنيون في جُحر البرهان مرتين؟”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
منذ أيام، تتسارع التسريبات في الخرطوم عن حراك سياسي يقوده الفريق أول عبدالفتاح البرهان تمهيداً لإطلاق ما يُسمى “حوار سوداني-سوداني”، ترافقه مشاورات لإصدار عفو عن قيادات مدنية وسياسية، بينها على ما يبدو قيادات من تحالف “صمود” نفسه. وقد جاء رد التحالف، بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك، سريعاً وحاسماً: لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن هذه المبادرة، ولم يشارك في أي ترتيب متصل بها، ولن يكون طرفاً في “أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية”
هذا الموقف الحذر، بل الرافض، يستحق أن يُقرأ في سياق أعمق من مجرد بيان صحفي عابر. فهو، في جوهره، اختبار لما إذا كانت القوى المدنية السودانية قد استوعبت أخيراً درساً دفعت ثمنه غالياً قبل سبع سنوات.
الخطيئة الأولى: شراكة “حقن الدماء”
حين أسقطت ثورة ديسمبر المجيدة نظام عمر البشير في أبريل 2019، وجدت “قوى إعلان الحرية والتغيير” (قحت) نفسها أمام لحظة تاريخية نادرة: شعب مصطفٌّ خلفها بالكامل، ونظام عسكري-أمني منهار الشرعية. وبدلاً من التمسك بمطلب تسليم السلطة كاملة لحكومة مدنية، اختارت قحت توقيع الوثيقة الدستورية مع المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى قيادته الفريق أول عبدالفتاح البرهان بعد أن رفض الشارع الثوري الفريق عوض بن عوف، ورشّح بن عوف نفسه البرهان خلفاً له.
كانت الحجة المعلنة آنذاك “حقن دماء السودانيين”. لكن المفارقة أن قيادات المجلس العسكري، بمن فيهم البرهان، كانوا امتداداً مباشراً لمؤسسة عسكرية-أمنية شكّلها ورقّاها نظام المؤتمر الوطني نفسه، الحزب الذي خرج عليه الشعب السوداني وأسقطه بدمائه. فكيف يُعقل أن يضع من أسقط النظام يده في يد من كان أداته الأمنية والعسكرية؟ كان بإمكان قحت، وقتها، أن ترفض هذا التمثيل وتصر على حكومة مدنية كاملة الدسم في الفترة الانتقالية، مستندة إلى زخم شعبي لم يكن أحد قادراً على تجاهله.
حين قطف البرهان الثمرة
أثبتت الأيام أن هذا التقدير كان خاطئاً. فما إن حانت اللحظة المتفق عليها دستورياً لتسليم رئاسة مجلس السيادة للمكوّن المدني، حتى انقلب البرهان في 25 أكتوبر 2021 على شركائه المدنيين، فحلّ الحكومة الانتقالية وزجّ بقياداتها في السجون. ولم يُثنِه عن ذلك إلا خروج الشارع السوداني مجدداً في مظاهرات حاشدة رفضاً للانقلاب، اضطرته إلى إطلاق سراح المعتقلين والعودة – مُكرَهاً لا مُقتنعاً – إلى طاولة التفاوض من جديد.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المدنيين، رغم هذه التجربة القاسية، لم يخرجوا منها بدرس رادع بما يكفي، إذ استؤنف المسار التفاوضي نحو “الاتفاق الإطاري” الذي كان البرهان قد تعهد بتوقيعه، قبل أن يُشعل فلول النظام البائد الحرب في 15 أبريل 2023 – بعلم شركائهم داخل المؤسسة العسكرية على الأرجح – تحديداً لقطع الطريق على ذلك الاتفاق ووأد أي مسار مدني ديمقراطي جدي.
البرهان يعود بذات الثوب.. بحلة جديدة
اليوم، وقد دخلت الحرب عامها الرابع دون حسم ميداني، وفي ظل ضغوط دولية متصاعدة – تُوّجت بتصنيف واشنطن الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين السودانية “كياناً إرهابياً عالمياً” في مارس 2026 – يعود البرهان بدعوة جديدة لـ”حوار سوداني-سوداني”، ممهداً لها بمشاورات للعفو عن قيادات مدنية ومعارضة، وطارحاً استثناء الدعم السريع والمؤتمر الوطني من طاولة الحوار.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تكرر القوى المدنية خطأ 2019، فتقبل بدعوة من طعنها في ظهرها مرة، وتنفّس عنها الصعداء حين أُرغم على التراجع مرة أخرى؟ أم أن “المؤمن لا يُلدغ من جُحر واحد مرتين”، كما جاء في الحديث النبوي الشريف؟ وهل سيكون إقصاء المؤتمر الوطني هذه المرة إقصاءً حقيقياً، أم مناورة سياسية أخرى بتفاهم ضمني مع الإسلاميين، هدفها الأول امتصاص العاصفة الأمريكية لا تفكيك شبكة نفوذهم فعلياً؟
صمود.. إشارة أولى إلى أن الدرس رُبما تعلّم
بيان “صمود” الصادر في 10 أغسطس 2026 يحمل في طياته ما يشبه الإجابة الأولى، وهي إجابة أكثر نضجاً مما شهدناه في 2019. فالتحالف لم يكتفِ بالتشكيك في نوايا البرهان، بل وضع شروطاً جوهرية تتفادى عمداً الوقوع في الفخ ذاته:
اشترط التحالف أن يكون وقف الحرب هو المدخل الأول لأي عملية سياسية، لا أن يُختزل الحوار في ترتيبات شكلية موازية لاستمرار القتال – سائلاً بحق: “أي حوار يمكن أن يجري تحت دوي المدافع؟”. وأصرّ على أن تكون أي عملية سياسية مستقلة عن هيمنة أي طرف من أطراف الحرب، رافضاً بذلك تكرار سيناريو 2019 حين قبلت قحت بشراكة تحت مظلة طرف عسكري بعينه. كما رفض التحالف صراحة فكرة الحوار من داخل مناطق سيطرة الجيش وحدها، معتبراً ذلك تكريساً لتقسيم البلاد بحكم الأمر الواقع، لا خطوة نحو توحيدها.
والأهم أن “صمود” أعادت تعريف موقفها من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بوضوح لا لبس فيه: فهم “من أشعلوا هذه الحرب ومن يعيقون إيقافها”، ولا مكان لهم في أي عملية سياسية، لإخراجهم من العزلة. وفي المقابل، ميّز التحالف بين هذا الرفض القاطع وبين مطلب العدالة والمساءلة الذي يجب أن يشمل الجميع دون استثناء – بما يشمل تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية – رافضاً أن تتحول الدعوة الى “العفو” إلى أداة سياسية تقلب الحقائق وتتعامل مع قضايا سياسية مشروعة الأصل كأنها جرائم تستدعي “عفواً”
خلاصة: الدرس مكلف، لكنه ليس مستحيل التعلم
تجربة 2019-2021 كانت، بكل المقاييس، درساً قاسياً دفع السودانيون ثمنه غالياً: انقلاب، واعتقالات، وحرب مدمرة لم تتوقف بعد. والسؤال المطروح اليوم ليس فقط عما إذا كان البرهان صادقاً في دعوته الجديدة، بل عما إذا كانت القوى المدنية قد بنت أخيراً آليات دفاعية كافية تمنعها من الانجرار وراء وعود شفهية دون ضمانات فعلية على الأرض.
بيان “صمود” يشي بأن هذا الدرس، على الأقل عند بعض القوى المدنية، بدأ يُستوعب. لكن الأيام القادمة كفيلة بأن تكشف ما إذا كان هذا الموقف الصلب سيصمد أمام إغراءات العفو والعودة الآمنة، أم أن التاريخ، كما جرت العادة، سيثبت أن بعض الدروس تحتاج أكثر من لدغة واحدة لتُستوعب بالكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى