الأعمدة

لو كنت مكانهم.. لما حلمت بحكم السودان أبداً..!

حينما تكون الرغبة طاغية في نفس التائقين إلى حكم السودان، ولا سيما في مثل هذه الظروف العصيبة، أو حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها، فإن الذي يتطلع إلى ذلك الأمر، أياً كان موقعه السابق أو الحالي من إعراب السلطة، لابد أن يعي خطورة ومخاطرة استلام بلد سيكون حياله مثل جثة الغريق المنتفخة؛ فيصبح جرّها إلى اليابسة مغامرة ومقامرة قد تجعلها تتفسخ، ما لم يكن من يقوم بتلك المهمة حاذقاً في ربط الحبال وفي المواضع التي تحتمل ذلك الشد، وقوة التيار وتلاطم الأمواج، ومن ثم يعمل سعة صبره، ويسخّر درايته في معالجة العملية بكل هدوء، وتحمل كل تبعات الإفرازات والروائح!
ولعل ذلك المثل، على صورته الصادمة، يمثل نموذجاً للحالمين بحكم البلاد، سواء لتحقيق مصالح حزبية، أو طموحات ذاتية، أو حتى بإخلاص النوايا وصدق الإرادة؛ فذلك كله لا يكفي وحده، إذ عليهم أن يعلموا أن جرّ جنازة البحر في المثل الشعبي لا يتسنى لأي كان، خصوصاً في مراحل تفسخها، ما لم يستعن بالكثير من السواعد، ويستخدم الحبال القوية التي لا تتقطع في البلل!
فالسودان الآن في مفترق طرق، ولا يمكن أن يعيده إلى الطريق المستقيم، موحد التراب، متماسك اللحمة الشعبية، مستفيداً من دروس الماضي البعيد ومستوعباً لكل مآسي الحاضر، إلا عبر تضافر أبنائه.
ولا نقول إن على من كانوا سبباً في غرق الضحية أن يمدوا أياديهم للتظاهر بالعون، ما لم يُساءلوا عن جرائمهم، في ظل حكم تراضٍ وطني مسؤول، يكون قوامه الخلصاء من كفاءات الوطن والتكنوقراط، وهم بالملايين، سواء في الداخل أو الخارج.
وعلى أكتاف هؤلاء يمكن أن تقوم في مرحلة الانتقال دولة الدستور وحكم القانون، وتوفير العيش في حدّه المعقول، وإعادة تأهيل مرافق الخدمات، وإعادة توطين من شردتهم الحرب، ومن بعد ذلك التفكير في المضي نحو كفالة حق المواطن في اختيار حكامه، بحرية الإرادة وصوت الصندوق.
أما الذين يراودهم حلم العودة، لمجرد أن يحكموا، أو من بعدهم الطوفان…
فلو كنت مكانهم لأعدت التفكير ألف مرة قبل أن أعود لأجدد جراحات هذا الوطن، وقد كنت فيه المدية السامة التي قتلته، والساعد القوي الذي ألقاه غريقاً في لجة اليم العميق!
فالسودان اليوم ليس غنيمة لمن ينتظر لحظة الانقضاض على السلطة، ولا ساحة لتجريب الطموحات المؤجلة، وإنما وطن أنهكته الحرب، وأثقلته الجراح، ولم يعد يحتمل أن يكون وقوداً لصراع جديد على كرسي الحكم.
ومن أراد أن يعود، فليعد أولاً خادماً للوطن لا طالباً لسلطانه، وليضع مصلحة السودان فوق حسابات الحزب والجماعة والفرد؛ فهذه المرة لن يكون السؤال: من يحكم السودان؟ وإنما: من يستطيع أن ينقذ السودان أولاً؟
والله المستعان .

زر الذهاب إلى الأعلى