الأعمدة

كيف تحوّلت البندقية من وسيلة للتمرد إلى مهنة… من الذي سيربح حينما يخسر المواطن؟!

🪾 السودان:
كل البلد دارفور
✍️محمد الفاتح حضرة
منذ مطلع الألفية، تتكرر في السودان القصة نفسها… وتتغير فقط أسماء البنادق واللافتات!!
في دارفور، ومنذ إندلاع التمرد المسلح في أوائل الألفينات، نشأ جيل كامل من الشباب أمام خيارين يكادان يكونان متشابهين:
إما أن تحمل البندقية مع القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها مثل الجنجويد والدعم السريع ، أو تحمل البندقية مع إحدى الحركات الدارفورية المسلحة التي تقاتل الحكومة.
كانت جذور قوات الدعم السريع مرتبطة بالجنجويد عرب دارفور الذين إستخدمتهم حكومة الإنقاذ في مقاتلة حركات دارفور المسلحة ، ثم تأسست قوات الدعم السريع رسمياً لاحقاً.
وهكذا نشأ في دارفور منذ تلك الفترة إقتصاد محلي قائم على الحرب.
الشاب الذي لا يجد فرصة في مدرسة، ولا وظيفة، ولا مشروعاً، ولا مستقبلاً واضحاً، يجد أمامه بندقية.
البندقية تمنحه دخلاً.
وتمنحه حماية.
وتمنحه مكانة.
وتمنحه انتماءً.
فتتحول الحرب في دارفور من وسيلة مؤقتة لتحقيق هدف سياسي إلى مهنة ومصدر رزق وأسلوب حياة.
🫵ومن هنا بدأت المأساة الحقيقية لأهل دارفور ‼️.
🛑 دارفور… ربع قرن من الحركات المسلحة، فأين ذهب المواطن؟!
في سنوات الحرب الأولى، كان المدنيون المقيمون في مناطق يُنظر إليها باعتبارها حواضن للحركات المسلحة يتعرضون للهجوم والإغارة والقصف والحرق والنهب، ووقعت انتهاكات جسيمة شملت القتل والعنف الجنسي والتهجير القسري.
فهرب الناس.
نزحوا داخل السودان.
ولجأ كثيرون إلى تشاد.
وهاجر آخرون إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا.
وفي المقابل…
استمرت الحركات المسلحة.
تغيرت أسماؤها.
انقسمت.
تكاثرت.
تفاوضت.
ثم دخل بعضها في اتفاقيات سلام.
ثم دخل قادتها إلى السلطة.
ثم أصبح بعض أمرائها وزراء وولاة ورجال أعمال وأصحاب نفوذ.
ولكن…
ماذا حدث للمواطن الدارفوري البسيط؟!
هل أصبح أكثر تعليماً؟
هل أصبح أكثر صحة؟
هل وجد عملاً؟
هل حصل على مياه نظيفة وكهرباء ومستشفى ومدرسة؟
هل أصبح أكثر أمناً؟
هل عاد ملايين النازحين إلى قراهم في ظروف تحفظ لهم حياة كريمة؟
كلا‼️
ظل الإنسان الدارفوري، في قطاعات واسعة، يدور في الحلقة نفسها:
حرب → نزوح → لجوء → فقر → جهل → مرض → بطالة → بندقية جديدة → حرب جديدة.
وهذه ليست إدانة لأهل دارفور.
بل هي إدانة لنظام سياسي كامل جعل البندقية بديلاً عن الدولة، والحركة المسلحة بديلاً عن التنمية.
🛑 ازداد عدد الحركات… ولم يزداد عدد المدارس !!
هذه هي المفارقة التي يجب أن نتوقف أمامها طويلاً.
إزدادت الحركات المسلحة…
وإزداد عدد المسلحين…
وتعدد أمراء الحرب…
وتعددت إتفاقيات السلام…
وتغيرت مواقع القادة…
ولكن:
هل إزداد عدد المدارس؟
هل إزداد عدد المستشفيات؟
هل إزداد عدد المصانع؟
هل إزداد عدد الوظائف؟
هل أصبح المواطن أكثر أمناً ورفاهية؟
لأ ‼️.
بل إن المفارقة المؤلمة أن بعض قادة الحركات استطاعوا الانتقال من دائرة الحرب إلى دائرة السلطة.
بعضهم وقّع اتفاقيات سلام.
بعضهم أصبح وزيراً أو والياً.
بعضهم دخل عالم التجارة والاستثمار.
وبعضهم استطاعت أسرته أن تعيش في أوروبا، وأن يتعلم الأبناء ويستقروا هناك.
وهذا كله حق شخصي لا أعيب على أحد فيه شيئاً.
لكن السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه هو:
ماذا عن دارفور نفسها؟
ماذا عن القرى التي احترقت؟
ماذا عن النازحين؟
ماذا عن الأطفال الذين كبروا في المعسكرات؟
ماذا عن الأجيال التي عاشت أكثر من عشرين عاماً وهي لا تعرف من الحياة إلا النزوح واللجوء والخوف؟
أين هو المشروع الذي من أجله حمل هؤلاء الشباب السلاح؟
🛑 عندما ضاقت مساحة الحرب داخل السودان… خرجت البندقية إلى الخارج!!
عندما لم تعد الحرب داخل السودان تكفي كل هذه الجيوش والحركات والمقاتلين، وجد بعض المقاتلين السودانيين سوقاً جديدة خارج الحدود.
ذهب مقاتلون من دارفور ومناطق أخرى للعمل في ساحات قتال خارج السودان، ومن بينها اليمن و ليبيا .
وهكذا أصبح المقاتل الذي لا يجد وظيفة في وطنه يجد وظيفة في الحرب خارج وطنه!!
بندقية سودانية… وراتب أجنبي… وحرب ليست حربه!!
ثم جاءت الحرب السودانية في 15 أبريل 2023.
وفجأة…
عاد السودان يجذب مقاتليه والمرتزقة من كل مكان.
عاد بعض من كانوا خارج البلاد.
وعادت البندقية إلى السودان.
لكن هذه المرة…
لم تعد الحرب حرب دارفور وحدها.
🛑 في 2023… كيف إنقلبت وإنعكست المعادلة؟!!
الدعم السريع، تلك القوة التي كانت بالأمس جزءاً من المنظومة الأمنية للدولة أصبحت اليوم في خطاب الدولة:
تمرداً وعصابة مسلحة.
والحركات التي كانت بالأمس:
متمردة وخارجة على الدولة…
أصبحت اليوم:
جزءاً من القوة المشتركة وحلفاء للجيش.
وهكذا تبدلت المواقع.
تغيرت الأوصاف.
تغيرت الخنادق.
لكن المواطن لم يتغير!!
هو نفسه الذي كان ينزح بالأمس.
وهو نفسه الذي ينزح اليوم.
هو نفسه الذي كان يبحث عن لقمة العيش بالأمس.
وهو نفسه الذي يبحث عنها اليوم.
هو نفسه الذي فقد بيته بالأمس.
وهو نفسه الذي يفقد بيته اليوم.
🛑🧐🤔
وهل تغير حال إنسان دارفور؟!
كلا‼️
ما زال النزوح.
ما زال اللجوء.
ما زال الفقر.
ما زال المرض.
ما زال غياب الخدمات.
ما زالت البطالة.
وما زال المستقبل غامضاً أمام أجيال كاملة.
فماذا يفعل الشاب الذي لا يجد عملاً ولا تعليماً ولا أملاً؟
يفعل ما تعلّمته الأجيال قبله.
يحمل البندقية.
ينضم إلى حركة.
أو ينضم إلى قوات الدعم السريع.
أو ينضم إلى القوة المشتركة.
أو ينضم إلى إحدى الميليشيات والكتائب المسلحة.
وبذلك تتحول البندقية إلى وظيفة.
وتتحول الحرب إلى سوق عمل.
وتتحول الميليشيا إلى شبكة حماية اجتماعية واقتصادية.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد وجود حركة مسلحة.
المشكلة أن المجتمع نفسه يبدأ في إنتاج مقاتلين جدد، لأن:
الحرب أصبحت أكثر قدرة على توفير الدخل من الدولة.
🛑 ثم حدث الأخطر… انتقلت «دارفور» إلى بقية السودان!!
إنتقلت الظاهرة من دارفور إلى بقية السودان.
صار الشاب في الخرطوم، والجزيرة، وكردفان، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشرق السودان، يواجه السؤال نفسه:
كيف أعيش؟🤔🧐
وبدلاً من أن يجد مصنعاً أو مشروعاً أو وظيفة أو مؤسسة تعليمية أو سوقاً مستقرة…
يجد بندقية.
فيذهب إليها.
بعضهم التحق بالقوة المشتركة.
وبعضهم التحق بالدعم السريع.
وبعضهم التحق بالقوات المسلحة.
وبعضهم التحق بكتائب وميليشيات موالية للتيار الإسلامي.
وهكذا صار حمل السلاح في أجزاء واسعة من السودان وسيلة للبقاء قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
وإذا استمرت الحرب طويلاً…
فقد يصبح السودان كله أمام نموذج دارفور.
🛑 «كل البلد دارفور»‼️
ليس لأن أهل دارفور هم المشكلة.
بل لأن النموذج الذي عاشته دارفور ربع قرن انتقل إلى بقية السودان.
نزوح.
لجوء.
فقر.
مرض.
بطالة.
سلاح.
ميليشيات.
حركات.
اقتصاد حرب.
وأجيال جديدة تتعلم أن البندقية هي أقصر طريق للحصول على المال والحماية والانتماء.
🛑 وهنا المفارقة الكبرى!!
في الألفينات:
كان مطلوباً من مواطن دارفور في مناطق سيطرة الحكومة أن يهتف للجنجويد والقوات الحكومية، وأن يشتم الحركات المسلحة لأنها «تمرد».
وكان مطلوباً من مواطن آخر في مناطق سيطرة الحركات أن يهتف للحركة، وأن يشتم الحكومة والجنجويد.
واليوم…
انعكست الصورة.
صار مطلوباً من المواطن أن يشتم الدعم السريع، وأن يهتف للحركات المسلحة التي أصبحت جزءاً من القوة المشتركة.
نفس المواطن.
نفس الفقر.
نفس النزوح.
نفس الحرب.
ولكن اللافتة تغيرت!!
بالأمس:
هذا متمرد… وهذا حليف للدولة.
واليوم:
هذا متمرد… وهذا حليف للدولة.
وغداً؟
من يدري؟!
فربما تتغير الخنادق مرة أخرى.
وربما يصبح حليف اليوم عدواً غداً.
وربما يصبح متمرد الأمس وزيراً اليوم.
ثم يصبح وزير اليوم قائداً لحركة غداً.
وهكذا تستمر اللعبة.
🛑 والمفارقة الأكثر إيلاماً…
أن أبناء دارفور أنفسهم أصبحوا جزءاً أساسيا من هذه الدائرة الجهنمية المدمرة .
ليس كل أبناء دارفور، بالتأكيد.
ولا يجوز تحميل شعب كامل مسؤولية جرائم أفراد أو جماعات.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نقولها بلا خوف:
لقد استخدمت النخب السودانية أبناء دارفور وقوداً لحروبها، ثم نجحت بعض هذه النخب في إقناع بعض أبناء دارفور بأن خلاصهم لا يكون إلا بمزيد من السلاح.
فكان السلاح سبباً في مزيد من السلاح.
والحرب سبباً في مزيد من الحرب.
والفقر سبباً في مزيد من التجنيد.
والتجنيد سبباً في مزيد من الفقر.
حلقة جهنمية مغلقة.
🛑 من الذي يدفع الثمن؟!
ليس أمير الحركة الذي استطاع أن يصبح وزيراً.
وليس القائد الذي أصبح رجل أعمال.
وليس السياسي الذي يعيش بعيداً عن مناطق القتال.
وليس تاجر السلاح الذي يزداد ثراءً كلما طال أمد الحرب.
الذي يدفع الثمن هو المواطن.
المواطن الذي فقد بيته.
المواطن الذي فقد ابنه.
المواطن الذي فقد مزرعته.
المواطن الذي فقد وظيفته.
المواطن الذي أصبح لاجئاً.
المواطن الذي يعيش اليوم في معسكر للنزوح، بينما أبناؤه لا يعرفون المدرسة ولا المستقبل.
هذا هو الذي يدفع الفاتورة.
🛑 السودان لا يحتاج إلى مزيد من حملة السلاح!!
السودان يحتاج إلى شيء مختلف تماماً.
يحتاج إلى دولة.
دولة لا تسأل المواطن:
مع الجيش أم مع الدعم السريع؟
ولا تسأله:
مع الحركة أم ضدها؟
ولا تطلب منه أن يحمل السلاح حتى يحصل على راتب.
بل تقول له:
أنت مواطن سوداني… وحقك في الحياة والعمل والتعليم والصحة والأمن لا يحتاج إلى بندقية.
هذه هي الدولة التي لم يعرفها السودان كما ينبغي منذ الاستقلال.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها.
ليست معركة:
من ينتصر؟
بل:
ماذا سيبقى للسوداني بعد أن ينتصر المنتصر؟
هل سيجد بيتاً؟
هل سيجد مدرسة؟
هل سيجد مستشفى؟
هل سيجد عملاً؟
هل سيجد دولة تحميه؟
هل سيجد مستقبلاً لأبنائه؟
أم سيجد نفسه أمام قائد جديد…
وبندقية جديدة…
وحرب جديدة؟!
🛑 إلى متى؟!
إلى متى سيظل المواطن السوداني يهتف باسم البندقية التي هجّرته؟
إلى متى سيظل الفقير وقوداً لحرب لا يملك قرارها؟
إلى متى سيظل الشباب السوداني يجد في الميليشيا فرصة العمل الوحيدة؟
إلى متى سيظل أبناء دارفور يُستخدمون في حروب دارفور…
ثم في حروب السودان…
ثم في حروب الآخرين خارج السودان؟
وإلى متى سيظل الحكام وقادة الحركات والميليشيات يتلاعبون بالمواطن السوداني، فيغيرون له أسماء أعدائه وأسماء أصدقائه، بينما تظل حياته هي نفسها؟!
بالأمس كان الجنجويد حليفاً.
واليوم هو عدو.
بالأمس كانت الحركة متمردة.
واليوم هي حليفة.
وغداً قد تتغير الأسماء مرة أخرى.
لكن المواطن المسكين…
سيظل هو المواطن المسكين.
نزوح.
لجوء.
فقر.
مرض.
جهل.
بطالة.
وخوف.
ثم يأتيه رجل يحمل بندقية ويقول له:
أنا طريق خلاصك!
فيصدقه…
ويحمل بندقيته…
ثم تبدأ دورة جديدة من الدم.
🧐🫵 وهنا ..
يجب أن نمتلك شجاعة قول الحقيقة:
دارفور لم تكن بحاجة إلى كل هذه البنادق.
والسودان كله ليس بحاجة إلى مزيد من البنادق.
السودان بحاجة إلى أن يتعلم كيف يعيش بلا بندقية.
فإذا لم نفعل…
فلن يكون السودان قد خرج من حرب.
بل سيكون قد دخل اقتصاد حرب جديداً، وجيلاً جديداً من المقاتلين، وحلقة جديدة من المأساة.
وحينها لن نسأل:
من انتصر؟!
بل سنسأل:
أين ذهب السودان؟!

زر الذهاب إلى الأعلى