تقارير

بين عفو البرهان والدعوة لحوار سوداني ــ سوداني… هل كانت “لا للحرب” جريمة تستوجب المحاكمة؟

رشحت أنباء عن قرارات للقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، تتعلق بالعفو عن المعارضين وإجراءات لإسقاط التهم المنسوبة إليهم، مع الشروع في خطوات لتهيئة المناخ العام لإجراء حوار سوداني ـ سوداني. وبمجرد تداول القرار على نطاق واسع، برزت إلى السطح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ اندلاع النزاع السوداني، وهي السؤال المتعلق بالمعارضين الذين رفضوا الحرب: هل كانت دعوتهم لإيقاف الحرب وعدم الاصطفاف مع طرفيها بمثابة جريمة تستوجب المحاكمة، أم أن موقفهم السياسي وحده تحول إلى تهمة في هذه الحرب العبثية؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بمصير الأشخاص أو القوى السياسية، وإنما يفتح الباب أمام ملامح المرحلة المقبلة في مستقبل السودان: هل سيكون البرهان قادراً على إيقاف الحرب والانخراط في عملية حوار سياسي حقيقي يكتب نهاية الحرب العبثية في البلاد، أم هي مجرد مراوغة لسيناريو خطط له الجنرال مسبقاً؟
وبحسب الخبير القانوني مأمون فاروق في إفادة لـ “الرواية الأخرى”، قال: فيما يتعلق بالعفو عن الجرائم التي وجهتها النيابة لقيادات القوى المدنية، ففي الأساس ليس هناك سند قانوني لهذه الجرائم حتى يتم العفو عنها، وقائد الجيش لا يملك الحق في العفو لأنه لا يملك حق تحريك أي دعاوى جنائية ضد هذه القيادات. وأكد فاروق أنه لا يوجد أساس قانوني منذ البداية، واعتبر أن التراجع عن هذه الإجراءات غير القانونية هو إقرار بأن هذه الدعاوى الموجهة لا ترتكز على أي سند قانوني من الأساس، وهو ما لا يُصنف تفضلاً أو منحة من قائد الجيش، وإنما لعلمه التام بأن هذه التهم وهذه الجرائم لا أساس لها من الصحة.
وأضاف فاروق أن هذه القرارات تصب في خانة المحاولة للخروج من عنق الزجاجة، ولكن الخروج من عنق الزجاجة والمأساة الكارثية التي تسبب فيها لا يتم بالإقرار بوقائع هي في الأساس موجودة ومعروفة، وإنما يتم بخطوة أكثر إيجابية وانفتاحاً أكبر، لا تتعلق فقط بالخروج من هذه الورطة والمحافظة على مصالحك ونفسك، وإنما بالسعي لخلق سلطة مدنية حقيقية، وبناء مؤسسات دولة، وتطهير الجيش، وتقديم الفاسدين الحقيقيين للمحاكمات، وليس قيادات القوى المدنية الذين لم يرتكبوا جرائم. ودعا فاروق إلى تقديم الفاسدين الحقيقيين الذين يضع قائد الجيش يده معهم حالياً إلى العدالة إذا كان فعلاً يريد المضي نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية، ووصفهم بأنهم من أشعلوا الحرب ونهبوا مقدرات الشعب، وأن قائد الجيش الآن يتحالف معهم.
ووفقاً لما جاء في بيان التحالف المدني لقوى الثورة “صمود”: فإن ما طفا على السطح من مبادرات تدعو إلى العفو عن القوى المدنية يقلب الحقائق رأساً على عقب؛ فالإجراءات المتخذة بحقها سياسية في أصلها، ولا أساس لها ابتداءً.
وعبّر بيان “صمود” عن أن موقف التحالف واضح، وهو تحقيق العدالة والمُساءلة للجميع، ومحاسبة من أشعلوا الحرب ومن تكسبوا منها، وكافة من ارتكبوا الجرائم بحق الأبرياء، بالإضافة إلى تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
وأكد البيان أن العدالة أساس لأي سلام مستدام، وهي مهمة يجب أن تضطلع بها مؤسسات عدلية مستقلة ونزيهة، لا أن تُحول إلى أداة سياسية في يد جهات لا مشروعية لها.
وختم تحالف “صمود” بيانه بالتأكيد على مواصلة الجهود لوقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وإنهاء معاناة الشعب، والوصول إلى سلام عادل ومستدام، وانتقال مدني ديمقراطي، مع القطع بأنهم لن يكونوا جزءاً من أي ترتيبات شكلية تكرس واقع الحرب أو تعيد إنتاج أسبابها.
أفرزت الحرب عبر خطابها السياسي إحدى أخطر معادلات التصنيف التي حصرت الشعب السوداني وقواه في ثنائية ضيقة: إما أن تكون مع الجيش أو أنك مع الدعم السريع، وتغافلت عن الواقع السياسي السوداني الأكثر تعقيداً؛ فقد يكون المواطن السوداني من أي موقع رافضاً للدعم السريع وانتهاكاته، لكنه في الوقت نفسه رافض لاستمرار القتال ومنادٍ بالسلام ووقف الحرب، وربما يكون مع الدولة ومؤسساتها، ولكنه يرفض ويعارض تحكم جهات ذات أجندة في الهيمنة على القرارات داخل مؤسسات الدولة، ومطالباً بعدم عسكرة الفضاء السياسي من قبل الطرفين المتنازعين، وداعياً إلى العودة لمسار الانتقال المدني الديمقراطي واستكمال مهام وشعارات ثورة ديسمبر المجيدة. لذلك، فإن رفض الحرب لا يساوي مطلقاً دعم أحد طرفيها، كما أن الدعوة للتفاوض والحل السياسي لا تعني بالضرورة تبني أجندة الطرف الآخر النقيض.
لذلك، فإن المعادلة التي تحقق العدالة وتقود للسلام والاستقرار يمكن تلخيصها في أنه لا يمكن أن تتم محاكمات بسبب المواقف السياسية، وبالمقابل لا حصانة بسبب الموقف السياسي، فمن دعا لإيقاف الحرب لن يُجرَّم لمجرد دعوته للسلام، ومن وقف ضد الاصطفاف مع الجيش والدعم السريع في هذه الحرب العبثية لا ينبغي أن يُوسَم بالخيانة والعمالة، ولكن بالمقابل من ارتكب جريمة يجب أن يتحمل مسؤوليتها، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو العسكري.

زر الذهاب إلى الأعلى