الأعمدة
أخر الأخبار

عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري.. الخرطوم تستعيد قلب الدولة

عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري.. الخرطوم تستعيد قلب الدولة

بقلم : مجتبى ميرغني

عودة الرئاسة السودانية إلى القصر الجمهوري بالخرطوم بعد أكثر من ثلاثة أعوام، في خطوة تعكس استعادة مؤسسات الدولة لمواقعها الطبيعية وبدء مرحلة جديدة من إعادة الإعمار.

الخرطوم – 14 أغسطس 2026م

 

 

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على إدارة مؤسسات الدولة السودانية من خارج العاصمة بسبب الحرب، عاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لمباشرة نشاطه الرسمي من داخل القصر الجمهوري بالخرطوم، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز مجرد انتقال موقع العمل الرسمي.

 

وجاءت عودة البرهان إلى القصر الجمهوري بالتزامن مع عودة مؤسسات الدولة للعمل من العاصمة الخرطوم، بعد فترة طويلة كانت خلالها مدينة بورتسودان مقراً مؤقتاً لمباشرة أعمال الحكومة ومؤسساتها الاتحادية. وقد شهد القصر أعمال إصلاح وترميم خلال الأشهر الماضية، تمهيداً لاستعادة دوره كمركز للعمل الرئاسي وإدارة شؤون الدولة.

 

القصر الجمهوري.. من رمز الحرب إلى عنوان العودة

 

لا تمثل عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري مجرد انتقال إداري من مدينة إلى أخرى؛ فالقصر ظل طوال العقود الماضية واحداً من أبرز رموز السيادة السودانية ومركزاً لممارسة السلطة التنفيذية واستقبال رؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية.

 

وكان القصر قد أصبح أحد أبرز مواقع المواجهات خلال الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، قبل أن تتمكن القوات المسلحة من استعادة السيطرة عليه في مارس 2025. وفي ذلك الوقت أعلن البرهان من داخل القصر أن الخرطوم أصبحت حرة، في مشهد ارتبط باستعادة القوات المسلحة لعدد من المؤسسات والمواقع الحيوية بالعاصمة.

 

لكن استعادة الموقع عسكرياً لم تكن تعني بالضرورة عودة الدولة بكامل أجهزتها للعمل منه؛ فقد احتاجت الخرطوم إلى عمليات تأهيل واسعة للبنية التحتية والمرافق الحكومية، إلى جانب توفير الظروف الأمنية والخدمية التي تسمح باستئناف العمل الرسمي بصورة منتظمة.

 

أول نشاط رئاسي من داخل القصر

 

اتخذت العودة طابعاً رسمياً واضحاً مع استئناف البرهان نشاطه من القصر الجمهوري، حيث تسلّم أوراق اعتماد عدد من السفراء الجدد، في إشارة إلى عودة القصر تدريجياً إلى أداء وظائفه الدستورية والدبلوماسية. كما وثقت مشاهد رسمية وصول رئيس مجلس السيادة إلى القصر بعد أعمال الإصلاح والترميم التي شهدها المبنى.

 

وتكتسب مراسم اعتماد السفراء أهمية خاصة؛ لأنها تعكس انتقال القصر من كونه رمزاً لاستعادة السيطرة على العاصمة إلى مؤسسة فاعلة في إدارة العلاقات الرسمية للدولة، واستقبال ممثلي الدول والبعثات الدبلوماسية.

 

الخرطوم تستعيد مركزيتها

 

تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يتمثل في عودة مؤسسات الدولة تدريجياً إلى الخرطوم. وكانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء قد وضعت في وقت سابق خطة زمنية لنقل مقار الوزارات والمؤسسات الحكومية من بورتسودان إلى العاصمة، مع استهداف استكمال عملية الانتقال خلال فترة زمنية محددة.

 

وتشير عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري إلى أن عملية الانتقال لم تعد مجرد توجه إداري، وإنما أصبحت جزءاً من مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة داخل العاصمة، بعد استعادة قدر كبير من السيطرة الحكومية عليها.

 

فالخرطوم بالنسبة للدولة السودانية ليست مجرد مدينة؛ فهي مركز المؤسسات الاتحادية، والبعثات الدبلوماسية، والوزارات، والمرافق السيادية، كما تمثل رمزاً لوحدة البلاد ومركزها السياسي والإداري.

 

رسالة تتجاوز الجغرافيا

 

تحمل عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري رسالة سياسية واضحة مفادها أن مؤسسات الدولة تسعى إلى استعادة وجودها الطبيعي داخل العاصمة، وأن المرحلة المقبلة تتجه من إدارة تداعيات الحرب إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دورة الحياة الطبيعية.

 

كما تأتي الخطوة في وقت تتواصل فيه جهود إعادة تأهيل الخرطوم وإعادة الخدمات الأساسية وفتح الطرق والمؤسسات والأسواق، بما يجعل عودة العمل الرئاسي أحد ملامح مرحلة أوسع عنوانها إعادة الإعمار واستعادة الدولة.

 

وفي هذا السياق، فإن القصر الجمهوري الذي ارتبط خلال سنوات الحرب بصور الدمار والاشتباكات، يعود اليوم ليكون مرة أخرى منصة للعمل الرسمي واستقبال السفراء وممارسة النشاط الرئاسي.

 

بداية مرحلة جديدة

 

قد لا تختزل عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري كل تعقيدات المشهد السوداني، لكنها تمثل محطة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لمواقعها الطبيعية.

 

وبينما كانت بورتسودان طوال سنوات الحرب مركزاً مؤقتاً لإدارة الدولة، تعود الخرطوم تدريجياً إلى موقعها الطبيعي كعاصمة سياسية وإدارية للسودان.

 

وهكذا تبدو عودة الرئاسة إلى القصر الجمهوري أكثر من مجرد عودة إلى مبنى؛ إنها عودة رمزية لمؤسسات الدولة إلى قلب العاصمة، وإشارة إلى انتقال السودان من مرحلة إدارة الدولة في ظروف الحرب إلى مرحلة استعادة مؤسساتها وإعادة بناء عاصمتها.

 

ويبقى التحدي الأكبر هو أن تتحول هذه العودة الرمزية إلى واقع مؤسسي كامل، تُستعاد فيه الخدمات، وتُعاد إعمار البنية التحتية، وتستأنف المؤسسات أعمالها بصورة مستقرة، لتصبح الخرطوم من جديد عاصمة نابضة بالحياة ومركزاً جامعاً للدولة السودانية.

زر الذهاب إلى الأعلى