تقارير

فضيحة مؤسسية مكتملة الأركان بين وزارة العمل و شركة بتروانرجي.

فضيحة مؤسسية مكتملة الأركان بين وزارة العمل و شركة بتروانرجي.

.الخطاب المرفق لا يثير الغضب فقط، بل يثير الحزن على المستوى الذي انحدرت إليه مؤسسات الدولة التي يفترض أن تكون آخر حصن لحماية العاملين وحقوقهم.فوزارة العمل، ومكاتبها وأجهزتها المختصة، لم تُنشأ لتكون مجرد ختمٍ يضفي شكلاً قانونياً على قرارات أصحاب العمل، بل يفترض أن تكون الجهة التي تراجع، وتدقق، وتوازن بين أطراف علاقة العمل، وتحمي الطرف الأضعف من التعسف والاستغلال.لكن ما نراه هنا، بحسب الخطاب المرفق، هو موافقة على تخفيض العاملين استناداً إلى المادة 56 من قانون العمل، في قضية كانت تستوجب قبل أي موافقة طرح أسئلة بديهية يعرفها أبسط دارس للقانون:- أين الدراسة الاقتصادية والفنية التي تبرر التخفيض؟- أين التمثيل الحقيقي للعاملين؟- أين اللجنة الثلاثية التي نص عليها القانون؟- ما البدائل التي دُرست قبل الوصول إلى الفصل الجماعي؟- هل فُحصت القدرة المالية الحقيقية للشركة؟- هل روجعت التزاماتها تجاه التأمينات الاجتماعية، والتأمين الصحي، والعلاوات، وبدلات المخاطر، وبقية حقوق العاملين؟- وهل كانت الوزارة تعلم أن مئات العاملين سيُدفع بهم إلى المجهول بينما تظل حقوقهم ومستحقاتهم معلقة بعد ذلك لأشهر؟إن وظيفة مؤسسة العمل ليست أن تقول لصاحب العمل: تفضل وافصل.وظيفتها أن تقول له أولاً:أثبت الضرورة.أثبت استيفاء القانون.أثبت أنك بحثت البدائل.وأثبت أنك قادر على دفع كامل حقوق العاملين قبل أن تمس مصدر رزقهم.أما أن تُستدعى المادة 56 بهذه الخفة، ثم تُستخدم لتغطية قرار واسع بهذا الحجم، فهذه ليست حماية لقانون العمل، بل تفريغ له من مضمونه الاجتماعي والحقوقي.والأكثر مرارة أن ذلك يحدث في ظل سلطة ترفع شعارات “الكرامة”، بينما العامل الذي أفنى عمره في خدمة قطاع النفط لا يجد من مؤسسات الدولة من يصون كرامته الوظيفية، ولا من يضمن له أن ترد إليه حقوقه كاملة وفي وقتها.أي كرامة هذه إذا كان العامل يمكن أن يُفصل في أيام، ثم ينتظر شهوراً ليسترد حقاً اقتُطع من مرتبه أصلاً؟أي كرامة هذه إذا ظلت اشتراكات التأمينات والتأمين الصحي والعلاوات والمستحقات موضع جدل ومماطلة، بينما الموظف وأسرته يدفعان وحدهما ثمن الحرب وقرارات الإدارة؟وأي دولة هذه التي تتحول فيها المؤسسة التي يفترض أن تحمي العامل إلى شاهد صامت، أو مجرد حلقة إجرائية في سلسلة الفصل؟المشكلة هنا ليست فقط في شركة بتروإنرجي.المشكلة في انهيار وظيفة الدولة نفسها كضامن للحقوق.فحين تصبح وزارة العمل عاجزة عن حماية العامل، ومكتب العمل عاجزاً عن فرض القانون، والجهات الرقابية عاجزة عن منع تعليق المستحقات، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام انهيار في منظومة الحماية الاجتماعية برمتها.والأخطر أن مثل هذه الموافقات تخلق سابقة.اليوم بتروإنرجي.وغداً أي شركة أخرى ستشير إلى المادة 56 وتقول:”لقد فُعلت من قبل.”ولهذا فإن هذه القضية لا تخص المفصولين وحدهم.إنها تخص كل عامل سوداني.وكل نقابة.وكل قانوني.وكل من لا يريد لقانون العمل أن يتحول إلى أداة في يد صاحب العمل بدلاً من أن يكون مظلة للعدالة.المطلوب الآن ليس المزيد من التبريرات.المطلوب نشر كل المستندات:محاضر اللجنة.الدراسات الاقتصادية.أسماء ممثلي العاملين.رأي مكتب العمل.الأساس القانوني للموافقة.وكيف تم التأكد من حماية كامل حقوق المفصولين قبل إصدارها؟ومن اتخذ القرار عليه أن يتحمل مسؤوليته عنه.ومن مرره دون استيفاء القانون عليه أن يجيب.ومن يعلم أن حقوق العاملين لم تُسدد ثم يواصل الصمت، فإنه يتحول من جهة رقابية إلى جزء من المشكلة.كرامة العامل لا تُقاس بالشعارات.كرامته أن يحميه القانون عندما يضعف.وأن تقف معه الدولة عندما تتغول عليه المؤسسة.وأن يُدفع له حقه كاملاً قبل أن يُطلب منه أن يغادر.أما أن يفقد وظيفته، ويُحرم من مستحقاته، ثم يجد المؤسسة التي يفترض أن تنصفه وقد أعطت القرار غطاءً إدارياً، فذلك ليس تطبيقاً للقانون.ذلك هو بالضبط السبب الذي يجعلنا نقول:إن معركة العاملين في بتروإنرجي لم تعد معركة مستحقات فقط، بل معركة لاستعادة معنى القانون نفسه، واستعادة وظيفة مؤسسات الدولة التي وُجدت أصلاً لحماية الحقوق لا لتبرير انتهاكها.#شبكة_رصد_السودان

زر الذهاب إلى الأعلى