
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 5 يونيو 2026م
🤔 منذ أكثر من عامٍ ونصف العام، لا تكاد تمر أيامٌ إلا ونسمع دعواتٍ متكررةً تطالب اللاجئين والنازحين السودانيين بالعودة إلى بيوتهم ومدنهم وقراهم..
وكأن الحرب قد انتهت!!
وكأن السلام قد عمَّ البلاد!!
وكأن الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية قد عادت أفضل مما كانت عليه!!
وكأن الجسور والكباري والمدارس والجامعات والمستشفيات التي دمرتها الحرب قد أُعيد بناؤها!!
وكأن الاقتصاد قد تعافى، والتضخم قد انكسر، وفرص العمل قد عادت، والاستثمارات قد تدفقت من جديد!!
🧐 ولكن السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عليه هو:
لماذا يعود الناس أصلًا؟!!
في العلوم السياسية والعسكرية، لا يعود السكان إلى مناطقهم لمجرد خروج قوةٍ مسلحةٍ منها..
ولا يعودون لأن جهةً رسميةً طلبت منهم ذلك..
ولا يعودون لأن مسؤولًا ألقى خطابًا حماسيًا عبر وسائل الإعلام..
الناس يعودون عندما يشعرون بالأمان..
ويعودون عندما يثقون بأن الغد سيكون أفضل من الأمس..
ويعودون عندما يرون دولةً تحميهم، لا سلطةً تطلب منهم المخاطرة بحياتهم من أجل تحسين صورتها السياسية.
🛑 ملايين السودانيين لم يتركوا بيوتهم حبًا في اللجوء أو النزوح..
لقد خرجوا لأن الخوف كان أقوى من البقاء..
خرجوا لأن السلاح صار أعلى من القانون..
ولأن الحرب اقتحمت البيوت والشوارع والأسواق وأماكن العمل.
خرجوا حفاظًا على أرواحهم وأطفالهم وأسرهم..
فكيف يُطلب منهم العودة بينما كثيرٌ من الأسباب التي دفعتهم إلى الرحيل ما تزال قائمة؟!!
🤨 إن مجرد خروج قوات الدعم السريع من بعض المناطق لا يعني بالضرورة عودة الحياة إليها..
فالمدينة لا تحيا بمجرد تبدل الشعارات أو تبديل الزي العسكري..
ولا تنهض بمجرد رفع الأعلام أو إصدار البيانات..
المدينة تحيا عندما يعود الأمن الحقيقي..
وعندما تعود المؤسسات..
وعندما يعود القانون..
وعندما يشعر المواطن أن حياته وماله وكرامته ليست رهينةً لمزاج حامل البندقية.
🧐 والعجيب أن كثيرًا ممن يطالبون المدنيين بالعودة لا يعيشون أصلًا الظروف التي يطلبون من الناس تحملها..
فأعدادٌ كبيرة من أسر النافذين وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري ما تزال خارج السودان، حيث التعليم المستقر، والخدمات المستقرة، وفرص الحياة الكريمة.
أما المواطن البسيط، فيُطلب منه أن يعود إلى مدينةٍ مدمرة، وإلى اقتصادٍ منهار، وإلى مستقبلٍ غامض، ثم يُسأل بعد ذلك:
لماذا لا تعود؟!!
🛑 الحقيقة أن دعوات العودة ليست بالضرورة دليلًا على اكتمال شروط العودة..
بل قد تكون محاولةً لإظهار أن الأوضاع تتجه نحو الاستقرار وأن السلطة استعادت السيطرة على الأرض.
لكن المواطن لا يقيس الأمور بالشعارات..
المواطن يقيسها بحياته اليومية.
هل توجد وظائف؟!!
هل توجد مدارس؟!!
هل توجد مستشفيات؟!!
هل توجد كهرباء ومياه وخدمات؟!!
هل توجد حماية قانونية حقيقية؟!!
هل توجد دولة مؤسسات يمكن الوثوق بها؟!!
هذه هي الأسئلة التي تحدد قرار العودة، لا البيانات والخطب.
🤔 ثم لنفترض أن بعض الناس عادوا مضطرين..
هل تعود الحياة إلى السودان لمجرد عودة السكان؟!!
هل تعود المصانع للعمل وحدها؟!!
هل تعود الاستثمارات وحدها؟!!
هل يختفي التضخم وحده؟!!
هل تُبنى الثقة المفقودة وحدها؟!!
هل تُعالج آثار الحرب النفسية والاجتماعية والاقتصادية بمجرد أن يفتح المواطن باب منزله المهجور؟!!
بالطبع لا.
🛑 فالمشكلة في السودان لم تكن يومًا مشكلة منازلٍ فارغة فقط..
المشكلة الحقيقية كانت وما زالت أزمة حكم.
أزمة دولة أُضعفت مؤسساتها المدنية لعقود..
وأزمة سلطةٍ ظلت فيها البندقية أقرب إلى الحكم من صناديق الاقتراع..
وأزمة وطنٍ دُفعت موارده وطاقاته البشرية إلى ساحات الصراع بدلًا من ساحات البناء والتنمية.
🧐 ولذلك فإن الحديث عن عودة السودانيين يجب أن يبدأ من السؤال الصحيح:
ما هو المشروع الوطني الذي سيعود الناس إليه؟!!
هل هو مشروع دولة القانون والمؤسسات؟!!
أم مشروع استمرار هيمنة السلاح على السياسة؟!!
هل هو مشروع المواطنة والعدالة والسلام؟!!
أم مشروع إعادة إنتاج الأزمات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم؟!!
🛑 الحقيقة الصادمة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن عودة بعض النازحين أو حتى ملايين النازحين لن تعني عودة الحياة إلى السودان.
Never Ever !!
لن تعود الحياة إلى السودان ما دام السلاح هو الحاكم الفعلي للمشهد السياسي..
ولن يعود الاستقرار ما دامت القرارات المصيرية تُصنع خارج المؤسسات المدنية الديمقراطية..
ولن تعود الثقة ما دام الذين أوصلوا البلاد إلى هذا المصير ما يزالون يتحكمون في مستقبلها.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى عودة اللاجئين والنازحين..
السودان يحتاج أولًا إلى عودة الحكم المدني..
ويحتاج إلى مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ يلتف حوله السودانيون جميعًا..
مشروعٍ يجعل السيادة للقانون لا للبندقية..
والشرعية للشعب لا للقوة المسلحة..
والسلطة للمؤسسات المدنية لا لمراكز النفوذ العسكرية.
🛑 عندها فقط..
سيعود الناس إلى بيوتهم مطمئنين..
وستعود الاستثمارات..
وستعود الجامعات والمدارس والمصانع..
وسيعود الأمل..
أما قبل ذلك، فإن عودة كثيرٍ من الناس لن تكون إلا عودة المضطر الذي لم يجد خيارًا آخر..
ولن تكون عودة الوطن الذي يحلم به السودانيون.
📜🛑 الخاتمة
اسمعوا..
وخذوا الحكمة ولو من جلواك!!
فإن انتهاء المعارك وحده لا يعني انتهاء المأساة..
بل قد تكون المرحلة الأصعب هي تلك التي تأتي بعد صمت البنادق.
🤔 فالسودان لا ينتظره بعد الحرب مجرد فتح الطرق وعودة بعض المواطنين إلى بيوتهم..
بل ينتظره ملفٌ هائلٌ اسمه إعادة بناء الدولة.
إعادة إعمار ما دمرته الحرب..
إعادة بناء المدارس والجامعات والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء..
إعادة الأمن والثقة بين الناس..
إعادة دوران عجلة الاقتصاد والإنتاج والاستثمار..
إعادة ملايين النازحين واللاجئين إلى حياةٍ كريمةٍ مستقرة..
وإعادة الأمل إلى شعبٍ استنزفته الحروب والانقلابات والأزمات.
🧐 وهذه كلها مهام لا تستطيع البندقية إنجازها..
فالبندقية تستطيع أن تهدم..
أما البناء فله أدواتٌ أخرى..
له دولة قانون..
وله مؤسسات مدنية..
وله إدارة رشيدة..
وله سلامٌ حقيقيٌّ ومستدام.
🛑 ولذلك فإن الخطر الأكبر على السودان ليس الحرب وحدها..
بل أن تنتهي الحرب بينما تبقى الأسباب التي أشعلتها قائمة..
وأن يصمت الرصاص بينما يستمر ذات النهج الذي قاد البلاد إلى الانهيار.
فحينها لن يكون السودان قد خرج من الأزمة..
بل سيكون قد انتقل من فصلٍ إلى فصلٍ آخر من فصولها.
ولهذا فإن معركة السودانيين الحقيقية ليست فقط إيقاف الحرب..
بل بناء دولةٍ تمنع عودة الحرب مرةً أخرى.
دولةٍ يكون ولاء مؤسساتها للوطن لا للأفراد..
ويكون فيها الاحتكام إلى القانون لا إلى القوة..
وتكون فيها إرادة الشعب فوق إرادة حملة السلاح.
🛑 أما غير ذلك..
فقد يعود الناس إلى بيوتهم..
ولكن الوطن نفسه سيظل غائبًا.
#السودان
#الحرب_في_السودان
#اللاجئون
#النازحون
#الحكم_المدني
#السلام_في_السودان
#محمد_جلواك



