
كتبت المحامية / نون كشكوش :
«في ميدان الليق»
في كرة القدم السودانية، يفرّق اللاعبون بين كرة الملعب المنظمة و«الليق»؛ تلك الكرة التي لا تحتاج كثيراً إلى قواعد أو تكتيك، ولذلك يسميها بعض المحترفين ساخرين: «لعب العواليق».
ويبدو أن المشهد السياسي السوداني يتجه مرة أخرى إلى هذا النوع من اللعب، مع الحديث عن حوار سياسي جديد، وفي ظل قيادة البرهان.
اللافت أن البرهان، في إدارة هذا الملف، يعيد قراءة كتاب قديم، هو كتاب عمر البشير نفسه.
ففي يناير 2014 أطلق البشير ما عُرف بـ«خطاب الوثبة»، داعياً إلى حوار وطني، ثم تشكلت آلية «7+7»، وشارك في العملية عدد كبير من الأحزاب والتنظيمات السياسية، قبل أن تُعقد جلسات المؤتمر العام في أكتوبر 2015. لكن العملية لم تنجح في استيعاب القوى الأساسية الرافضة للنظام وتحالفات المعارضة الرئيسية، ولم تستطع في النهاية أن تمنح نظام البشير الشرعية التي كان يبحث عنها.
بعد أقل من أربع سنوات، سقط النظام.
هذه هي النقطة التي تستحق أن يتوقف عندها البرهان ومن يديرون المشهد السياسي من حوله.
المشكلة لم تكن في غياب الحوار، وإنما في هندسة الحوار: من يختار المشاركين؟ من يحدد الأجندة؟ ومن يملك حق استبعاد الآخرين؟
والسؤال الأكبر: من يحاور من؟
هل تقبل القوى السياسية الحوار مع نظام انقلابي هدفه تحقيق شرعية زائفة يستثمر فيها أمام المجتمع الدولي؟
اليوم يتكرر شيء من هذا المنطق. فبدلاً من التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة وطنية مركبة، يجري أحياناً تقديمها وكأنها أزمة بين المؤسسة العسكرية من جهة و«القوى المدنية الرافضة للحرب» من جهة أخرى، مع تهميش أطراف الحرب أنفسهم وبقية الأطراف والقوى التي صنعتها الحرب أو تضررت منها أو تحمل رؤى مختلفة.
أطراف الحرب يجب أن تكون حاضرة في التفاوض الذي يهدف إلى وقف الحرب، لأن تجاهل أي طرف عسكري لن يؤدي إلى إنهاء القتال. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يتحول حمل السلاح إلى تذكرة تمنح صاحبه حق تحديد مستقبل الدولة.
وهنا يجب الفصل بين التفاوض لإنهاء الحرب وتحديد شكل النظام السياسي بعد الحرب.
البرهان، كما يبدو، يراهن أيضاً على هشاشة بعض الأحزاب، وعلى طموحات شخصية داخل الطبقة السياسية، وعلى أن الحرب ستدفع القوى المدنية إلى التنازل، وأن طول الأزمة سيستهلك طاقة الشارع وذاكرته.
وهذا رهان قديم في السياسة السودانية: تقسيم القوى، استمالة بعضها، ثم تقديمها باعتبارها «القوى السياسية» كلها.
لكن تجربة الثورة يجب ألا تكون قد ذهبت هباءً.
السودانيون الذين خرجوا في ديسمبر لم يخرجوا بحثاً عن مقعد في السلطة، وإنما بحثوا عن دولة تنهي حكم الانقلابات، وتفصل بين المؤسسة العسكرية والسياسة، وتضع حداً لإعادة إنتاج النظام القديم بواجهات جديدة.
والقوى السياسية نفسها حصنت من نفسها بعد تجربة الفترة الانتقالية والاتفاق الإطاري.
من هنا، فإن مهمة «الخماسية» والوسطاء الدوليين ليست صناعة «7+7» جديدة، ولا اختيار أحزاب جاهزة للحوار، ولا منح الشرعية لأي طرف.
المطلوب هو وقف الحرب والاتفاق على هدنة إنسانية عاجلة لتهيئة الأجواء لأي عملية سياسية، عملية سياسية لا تستبعد الفاعلين السياسيين الحقيقيين من مستقبل بلدهم، ولا تسمح في الوقت نفسه للحركة الإسلامية التي دمرت السودان بالمشاركة.
لذلك فإن إعادة إنتاج أدواتها اليوم لن تقود إلى نتيجة مختلفة، ولكن تقود بعض القوى السياسية إلى مزيد من الانتحار السياسي.
البرهان لا يحتاج إلى «مسرحية وثبة» جديدة.
يحتاج، قبل ذلك، إلى أن يخرج من «ميدان الليق» السياسي إلى ملعب الدولة؛ حيث تكون القواعد واضحة، والحكم مستقلاً، والسلاح والإسلاميون خارج المنافسة السياسية، وأن يستوعب قبل ذلك وضع الحرب وخطورتها، وتظل الكلمة الأخيرة للشعب ممثلاً في القوى المدنية والسياسية المؤمنة بالحرية والسلام والعدالة.



