
فتحية البشاري تكتب:
تسرّب الخوف إلى داخلي، بل شعرت بشيء من الرعب، عندما قرأت وسمعت عن القضية المتداولة حول الشيخ القارئ، صاحب الصوت العذب الذي اعتاد عدد كبير من السودانيات والسودانيين الاستماع إلى تلاوته كل يوم، أو على الأقل كل يوم جمعة.
وليس هدفي هنا إصدار حكم على شخص بعينه قبل أن تقول العدالة كلمتها، ولا الخوض في تفاصيل اتهامات قد تكون موضع تحقيق أو نزاع، وإنما أتحدث عن الخوف الأكبر الذي تثيره مثل هذه القضايا عندما يكون المتهم أو موضع الجدل شخصية دينية تحظى بثقة الناس وتقديرهم.
لقد جعلتني هذه القضية أفكر في سؤال أعمق وأكثر خطورة: ماذا يحدث عندما تسقط القدوة في أعين الشباب؟ وماذا يحدث للدين نفسه عندما نربطه بأشخاص، ثم نكتشف أن هؤلاء الأشخاص بشر يخطئون، وقد يتناقض سلوكهم بصورة صادمة مع ما يقولونه للناس؟
نحن نتحدث عن بلد عانى طويلًا من توظيف الدين في السياسة والحكم والمجتمع. رُفعت فيه شعارات الشريعة، وترددت فيه الأناشيد الدينية والحماسية، ومنها «لا لدنيا قد عملنا»، وطُلب من الناس أن يضحّوا وأن يصبروا وأن يطيعوا باسم الدين. وفي الوقت نفسه، تعرضت أصوات كثيرة تدعو إلى الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية وحقوق النساء ومقاومة الاضطهاد للتخوين والتشكيك، وأحيانًا جرى تصويرها وكأنها تقف ضد الدين.
ثم، وسط كل هذه الشعارات، تظهر أمام المجتمع قصص واتهامات تتعلق بأشخاص ارتبطت صورتهم في الوعي العام بالدين والقرآن والوعظ.
وهنا يبدأ خوفي الحقيقي.
أنا لا أخاف على الدين من سؤال الشباب، بل أخاف على الشباب من أن نقدّم لهم الدين في صورة أشخاص، ثم نطالبهم بعد ذلك بألّا تهتز ثقتهم عندما تهتز صورة هؤلاء الأشخاص.
أخاف أن يفقد بعض شبابنا وشاباتنا الثقة ليس في رجل الدين وحده، وإنما في الخطاب الديني كله. أخاف أن يتحول السؤال المشروع إلى شك شامل، وأن يتحول الشك إلى قطيعة مع الدين، لأننا لم نعلّم أبناءنا وبناتنا منذ البداية أن الدين أكبر من رجاله، وأن قدسية النص لا تعني قدسية من يقرأه، وأن جمال الصوت لا يعني بالضرورة جمال السلوك، وأن العمامة والمنبر والشهرة الدينية لا تمنح الإنسان عصمة من الخطأ أو المساءلة.
ومن هنا أقول: نحن بحاجة إلى تحرير الدين من رجال الدين، وتحرير رجال الدين أنفسهم من وهم القداسة.
ليس المقصود إقصاء العلماء أو التقليل من شأن أهل المعرفة، وإنما إعادة الأمور إلى موضعها الصحيح: نحترم العالم لعلمه، والقارئ لتلاوته، والداعية لرسالته، ولكننا لا نضع أحدًا فوق النقد أو القانون أو المساءلة. ولا ينبغي أن تتحول المكانة الدينية إلى حصانة اجتماعية تمنع الضحية من الكلام أو تجعل المجتمع يشكك فيها لمجرد أن الطرف الآخر صاحب مكانة دينية.
والأخطر أن نظن أن معالجة هذه الأزمة يمكن أن تتم بالمواعظ وحدها.
لا تقولوا للشباب فقط: تمسكوا بالدين.
قدّموا لهم نموذجًا يجعلهم يرون قيم الدين أمامهم.
لا تحدثوهم عن الأمانة وأنتم تتسامحون مع الخيانة. لا تحدثوهم عن العدل وأنتم تصمتون أمام الظلم. لا تطالبوا النساء بالصبر والطاعة بينما يُستخدم الدين لتبرير الانتقاص من كرامتهن أو إسكات أصواتهن. ولا تطلبوا من جيل كامل أن يحترم خطابًا دينيًا إذا كان يرى تناقضًا صارخًا بين الكلمات والأفعال.
إن الشباب اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الأوامر بقدر حاجتهم إلى القدوة. يحتاجون إلى أن يروا رجل الدين يقف مع المظلوم ولو كان خصمه رجل دين آخر. يحتاجون إلى أن يروا المؤسسات الدينية تدافع عن العدالة قبل أن تدافع عن سمعة أفرادها. ويحتاجون إلى أن يفهموا أن السؤال والنقد والمحاسبة ليست حربًا على الدين، بل قد تكون حماية له من الاستغلال والتشويه.
ولا يحق لنا بعد ذلك أن نزجر شبابنا وشاباتنا إذا سألوا أو شكّوا أو غضبوا. علينا أن نستمع إليهم، وأن نحترم عقولهم، وأن نجيب عن أسئلتهم بالحجة والسلوك الصادق، لا بالتخويف والتكفير وإغلاق أبواب النقاش.
لأن الإرشاد من غير قدوة يتحول إلى كلمات، والموعظة من غير أخلاق تفقد معناها، والدعوة إلى الفضيلة من غير ممارسة حقيقية لها قد تصبح مجرد صوت جميل لا يترك أثرًا في الحياة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط رجل دين، وإنما أن يسقط الدين في أعين جيل كامل بسبب أفعال بعض من تحدثوا باسمه.
ولهذا علينا أن نفصل بين المقدس والبشر؛ بين الدين ومن يتحدثون باسمه؛ بين القرآن وصوت قارئه؛ وبين القيم التي يدعو إليها الدين والسلوك الشخصي لمن يرفعون شعاراته.
الدين لا يحتاج منا أن نحمي الأشخاص من المساءلة، بل يحتاج منا أن نحمي قيمه من أن تُستغل لتبرير الخطأ أو الظلم أو إسكات الضحايا.
وأمام شبابنا مسؤوليتنا أكبر من أن نقول لهم: «لا تشكوا».
مسؤوليتنا أن نبني مجتمعًا يجعلهم يرون في العدل معنى الدين، وفي الرحمة معنى الدين، وفي احترام المرأة وكرامة الإنسان معنى الدين، وفي الاعتراف بالخطأ والمحاسبة معنى الدين.
عندها فقط تصبح كلماتنا مقنعة.
أما إذا غابت القدوة، وبقيت المواعظ وحدها، فلن يكون أمامنا إلا الدعاء.
فنسأل الله أن يحفظ إيمان شبابنا وشاباتنا، وأن يمنحهم القدرة على التمييز بين قدسية الدين وبشرية من يتحدثون باسمه، وأن يحمينا من تحويل الدين من رسالة للعدل والرحمة والكرامة إلى سلطة تُستخدم لإخضاع الناس أو إسكات أسئلتهم.
حرّروا الدين من تقديس الأشخاص، حتى لا نخسر الأشخاص والدين معًا.



