
أفق جديد
أيُعقل أن تسألوني هذا السؤال؟؛ هكذا رد أحد القيادات السياسية في تحالف قوى التغيير الجذري على سؤال «أفق جديد» بشأن موقف التحالف من الحوار الذي دعا إليه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ولم تكن نبرته بحاجة إلى كثير من التأويل لفهم المسافة التي تفصل بين الدعوة وموقف قطاع واسع من القوى المدنية التي لم تعد ترى في أي مبادرة تصدر عن قيادة الجيش مجرد دعوة بريئة إلى الجلوس، وإنما تقرأها في سياق طويل من المحاولات التي سبقت الحرب، ثم جاءت الحرب لتجعل كلفة أي تسوية سياسية أكثر قسوة وتعقيداً. قال القيادي إن التحالف «رفض مكافأتهما مجتمعين» ـ في إشارة إلى البرهان حميدتي ـ على انقلاب 25 أكتوبر، متسائلاً كيف يمكن بعد ذلك أن «يكافئ أحدهما على هذه الحرب» بالانضمام إلى حوار لا يريد منه، بحسب تقديره، إلا إطالة أمد جلوسه على كرسي السلطة، قبل أن يمضي في حديثه إلى قائلا نحن اختلفنا مع القوى المدنية لانها كلما لوّح لها العسكريون بقليل من السلطة هرعت إليهم، ثم أطلق عبارته الأكثر حدة حين قال إن المكافأة التي يستحقها قادة الحرب، في رأيه، ليست مقاعد السلطة ولا طاولة الحوار، وإنما «حبل المشنقة»، وإنه لا يرى معهم حواراً أو جلوساً، وإنما تسليم السلطة التي بأيديهم والذهاب إلى سجن كوبر انتظاراً لمصيرهم أمام العدالة.
ولم يكن الرجل، وهو يتحدث بهذه القسوة، سياسياً عابراً على هامش المشهد؛ فهو ممن عركتهم السياسة السودانية طويلاً ، ولذلك بدا مدركاً أن عباراته لا تصلح لأن تمر كحديث عابر في مجلس خاص، فعاد بعد ذلك وطلب عدم نشر حديثه باسمه، لا لأنه تراجع عن مضمونه، وإنما لأنه يتوقع أن يصدر التحالف خلال الأيام المقبلة بياناً تفصيلياً يحدد موقفه من دعوة البرهان ومن المبادرات المطروحة لإنهاء الحرب، وبالتالي فإن ما قاله يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن المزاج السياسي داخل تيار ظل يرى منذ انقلاب أكتوبر أن المشكلة السودانية لا يمكن حلها بإعادة تدوير السلطة العسكرية في صيغ مدنية جديدة. ومع ذلك، فإن أهمية حديثه لا تأتي من كونه الموقف النهائي للتحالف بقدر ما تكمن في أنه يضع إصبعه على الجرح الذي ستواجهه مبادرة البرهان منذ لحظة ولادتها: أزمة الثقة؛ إذ كيف يمكن إقناع قوى سياسية بأن دعوة الحوار تستهدف إنهاء الأزمة، بينما صاحبها ما زال يتحدث بلغة النصر العسكري، ويعلن في الخطاب نفسه مواصلة الحرب حتى «استكمال تطهير أرض السودان»؟
من هنا تبدأ قراءة خطاب البرهان، لا من منصة المناسبة العسكرية ولا من الكلمات الاحتفالية التي تليق بذكرى سودنة قيادة القوات المسلحة، وإنما من هذه المفارقة التي ظلت معلقة فوق الخطاب كله؛ قائد جيش يقود حرباً منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويقول إن خصمه إلى زوال، ثم يفتح في الوقت ذاته باباً لحوار سوداني شامل. وفي السياسة لا يمكن المرور على هذه المفارقة باعتبارها مجرد اختلاف في اللغة، لأن معنى الحوار يتغير تماماً بحسب موقع المتحدث منه؛ فإذا كان البرهان يعتقد أن الدعم السريع في طريقه إلى النهاية، وأن الجيش قادر على استكمال مهمته العسكرية وتحقيق الحسم، فإن دعوة الحوار تبدو أقرب إلى محاولة لترتيب مرحلة ما بعد الانتصار، أما إذا كان يدرك أن الحرب لن تنتهي عسكرياً مهما طال أمدها، وأن البلاد لا يمكن أن تستعيد عافيتها من دون تسوية سياسية تشمل أطراف الصراع والقوى المدنية والمجتمعات التي مزقتها الحرب، فإن الخطاب كان يحتاج إلى لغة أخرى، أكثر اعترافاً بالواقع وأقل احتفالاً بالانتصار.



