الأعمدة

“ميزان العدل المكسور: من حارب الله فعلًا في السودان؟ “

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهدٍ لا يخلو من مفارقة مؤلمة، يظهر أحد رموز الخطاب الديني المرتبط بمنظومة الإنقاذ ليُصدر حكمًا خطيرًا: إن الشعب السوداني، لا الجيش ولا قوات الدعم السريع، هو من أشعل الحرب، لأنه “حارب الله” حكم يُقلب فيه ميزان العدل رأسًا على عقب، فيُنزَع القاتل من موضع الاتهام، ويُلبَس القتيل ثوب الجاني. وحين يُستدعى الدين لتبرئة الجلاد وتجريم الضحية، لا يعود الأمر خلافًا فقهيًا، بل مصادرة صريحة لمعنى العدل الذي هو أصل الشرائع كلها.
أولًا: من الذي حمل السلاح فعلًا؟
الشعب السوداني لم يمتلك يومًا دبابة ولا طائرة ولا مليشيا. الذي امتلك أدوات القتل والحرب هو تحديدًا التنظيم الذي انقلب على حكومة منتخبة في يونيو 1989، وأعدم عشرات الضباط الوطنيين في مذبحة رمضان عام 1990 دون محاكمات عادلة، ودفن كثيرًا منهم في مقابر جماعية لم تُعرف حتى اليوم مواقعها كاملة. هذا التنظيم نفسه هو من أشعل حرب الجنوب حتى انفصاله، وحرب دارفور التي وثّقت فيها الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، وأصدرت بموجبها مذكرة توقيف بحق رئيس النظام السابق. وهو من أشعل حرب جبال النوبة والنيل الأزرق، وقصف القرى الآمنة بالبراميل المتفجرة، وشرّد الملايين في مخيمات النزوح داخل بلادهم وخارجها.
فإذا كان إشعال الحرب فعلًا يُحاسَب عليه صاحبه أمام الله قبل الناس، فمن الأولى بهذا الوصف: من صنع آلة الحرب واستخدمها عقودًا، أم من وقع تحت وطأتها ضحية؟ والمستغرب أن الشيخ الذي لم يتردد في إصدار حكمه على المواطن المنهك، لم يُسمَع منه يومًا أنه وصف صنّاع هذه الحروب بأنهم “حاربوا الله”، مع أن أفعالهم أدنى إلى هذا الوصف من أي هتافٍ بالعدل والسلام.
ثانيًا: بيوت الأشباح وذاكرة القمع
لم يكتفِ النظام بالحروب الخارجية، بل مارس حربًا داخلية على مواطنيه العزّل “بيوت الأشباح” ليست استعارة أدبية، بل مسمّى وثّقته منظمات حقوقية محلية ودولية لمرافق اعتقال سرية مورس فيها التعذيب الممنهج: الصعق الكهربائي، دق المسامير، الاغتصاب كأداة إخضاع، والاختفاء القسري لمعارضين ونشطاء لم يُعرف مصير كثير منهم حتى اليوم. وفي المقابل، ظلّ من يهتف سلميًا بالحرية والعدالة يُعتقل ويُعذَّب ويُحاكَم، بينما يفلت من مارس عليه هذا القمع من أي حساب. وهنا أيضًا لزم الشيخ صمتًا مطبقًا: لا حكم على الجلاد بأنه حارب الله حين دقّ المسمار في الرأس، ولا كلمة إنصاف للضحية التي عُذّبت واغتُصبت في العتمة.
ثالثًا: مجزرة فض الاعتصام وما بعدها
في الثالث من يونيو 2019، اقتحمت قوات مسلحة اعتصام القيادة العامة السلمي، فسقط عشرات القتلى وأُلقيت جثث كثيرة في نهر النيل، وتعرضت نساء لانتهاكات جنسية موثقة في تقارير لجان تحقيق سودانية ودولية. كان المعتصمون يومها يرددون شعارات “سلام”، و”عدالة”، وهما من أسماء الله الحسنى، تعبيرًا عن مطلبهم لا تحديًا له. فكيف يُوصَف الهاتف بالعدل والسلام بأنه المحارب لله، بينما يُعفى من أراق دمه دون وجه حق من أي وصفٍ مماثل، ولو مجازًا؟
رابعًا: النهب والفساد وخيانة الأمانة
وثّقت تقارير رسمية وصحفية عقب سقوط النظام في 2019 اكتشاف مبالغ ضخمة من العملات الصعبة والمحلية مخبأة في منازل ومكاتب قيادات بارزة في الدولة، إلى جانب شبكات فساد في تجارة الذهب والأراضي والعقود الحكومية استنزفت موارد بلد يُصنَّف من أفقر بلدان العالم رغم ثرواته. أفقر النظامُ الشعبَ وأثرى نفسه، ثم يُطلَب من هذا الشعب المُفقَر أن يتحمل وزر “محاربة الله” لأنه ثار على جوعه؟
خامسًا: احتضان الإرهاب وتصديره
استضاف السودان في التسعينيات تنظيمات ورموزًا مصنّفة دوليًا بالإرهاب، وظل على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب لأكثر من عقدين، وهو تصنيف لم يُرفع إلا بعد تنازلات سياسية ومالية كبرى. فأي معنى ديني يمكن أن يُسبغ على من احتضن العنف المنظم وصدّره، بينما يُجرَّم من طالب بدولة مدنية سلمية؟
سادسًا: صمتٌ يفضح المعيار المزدوج
والأعجب من كل ما تقدّم أن هذا الحشد من الجرائم – الانقلاب، والإعدامات بلا محاكمة، والإبادة في دارفور، وبيوت الأشباح، ومجزرة فض الاعتصام، والنهب المنظم، واحتضان الإرهاب – لم ينتزع من الشيخ كلمة واحدة تصف مرتكبيها بأنهم “حاربوا الله” لم يقلها على منبر، ولم يسجّلها في فيديو، ولم يُخرجها بتلك الثقة التي أطلق بها حكمه على المواطن المكلوم. صمتٌ طويل حيال الجلاد، وفصاحة فورية حيال الضحية.
وهذا الصمت ليس سهوًا عابرًا يمكن التماس العذر له، بل هو مؤشر دال على موقع الخطاب ووظيفته: خطاب يستنفر حين يُراد إسكات المطالب بحقه، ويخرس حين يتعلق الأمر بمن أزهق الأرواح وأفقر البلاد. فإذا كان الوصف بمحاربة الله معيارًا دينيًا صادقًا، فواجبه أن يُطلَق أولًا على من أراق الدماء وعذّب ونهب، لا أن يُختزل في من ثار على هذا كله. أما حين يُطلَق الحكم على الطرف الأضعف وحده، ويُصان الطرف الأقوى من كل وصفٍ مماثل، فإن الحكم يفقد صفته الدينية ليتحول إلى موقفٍ سياسي مموَّه بلغة الفتوى.
سابعًا: حين وقف العلماء في وجه السلطان
ليس في تاريخ الإسلام ما يسند اصطفاف الفقيه مع الحاكم الظالم ضد المظلوم، بل الثابت في سيرة كبار العلماء عكس ذلك تمامًا. فالإمام أحمد بن حنبل تحمّل السجن والجلد في محنة خلق القرآن رافضًا مجاراة السلطان على الباطل، ولم يُسبغ الشرعية على قهره ولو كلّفه ذلك حياته. والعز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء، لم يتردد في مواجهة حكام عصره حين استعبدوا أحرارًا واستولوا على أموال الناس بغير حق، حتى قاطعهم علنًا رافضًا الدعاء لهم على المنابر إلى أن ردّوا المظالم. هؤلاء وأمثالهم فهموا أن وظيفة العالم هي أن يكون لسان الحق في وجه السلطة، لا مطية لها تُلبس ظلمها ثوب القدر أو الدين. فأين هذا الموقف مما يُصنَع اليوم من خطاب يُجيّر المنبر لتبرئة القوي وتجريم الضعيف؟
ثامنًا: سؤال إلى الشيخ مباشرة
فليتفضل الشيخ محمد الأمين إسماعيل، بذات الثقة التي أصدر بها حكمه على المواطن المنهك، وليقلها بصوتٍ عالٍ لا يتردد: من أعدم الضباط في مذبحة رمضان بلا محاكمة، حارب الله. من قصف القرى بالبراميل وأباد أهل دارفور، حارب الله. من دقّ المسامير في رؤوس المعتقلين في بيوت الأشباح، حارب الله. من اقتحم الاعتصام السلمي وألقى الجثث في النيل، حارب الله. من نهب المال العام وخبّأه في بيته بينما يجوع الشعب، حارب الله. فإن كان لسانه يعجز عن قول هذا كله بذات الجرأة التي وصف بها الضحية، فليعلم أن الفتوى حين تُطلَق على الضعيف وتُحجَب عن القوي، لا تعود فتوى، بل شهادة على نفسها.
العدل ميزان لا يُقلَب
في المنطق الديني ذاته الذي استند إليه صاحب التصريح، “الله” اسمه العدل، واسمه السلام، واسمه الرحيم بالمستضعفين، الناصر للمظلوم على الظالم. فحين يهتف شعبٌ منهك بالعدل والسلام، فهو يستدعي هذه المعاني لا يحاربها. أما من قتل بغير حق، وعذّب الأبرياء، ونهب المال العام، واستقوى بالسلاح على شعبه الأعزل – فذلك هو الأقرب وصفًا إلى من “حارب الله” بمعصيته، لا من استغاث به من الظلم.
تحميل الضحية مسؤولية جلادها ليس تأويلًا دينيًا مستقلًا، بل هو الوجه الأخر لخطاب طالما استُخدم لتبرير الاستبداد باسم الدين، وهو خطاب يستحق أن يُفكَّك بالحجة لا أن يُترك ليمرّ دون مساءلة.

زر الذهاب إلى الأعلى