الأعمدة

من دولة الإنقاذ إلى سودان 2026 : حين أصبحت مؤسسات العدالة أداةً في الصراع السياسي‼️

كتب المستشار القانوني/ محمد الفاتح حضرة :
📜 كيف نظر الإسلام أصلًا إلى الدولة؟
وكيف تعامل مع الإنسان المختلف في الدين؟
وهل جعل مخالفة الحاكم سياسيًا جريمة؟
وهل اشترط الإسلام أن يكون كل من يعيش داخل الدولة مسلمًا حتى يستحق حقوق المواطنة؟
هذه أسئلة مهمة؛ لأن كثيرًا من الخطاب الإسلامي المعاصر خلط بين الأمة الإسلامية وبين الدولة الحديثة.
فالإسلام جعل المسلمين أمة تجمعها العقيدة والأخوة والتكافل والتناصر:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
لكن الدولة الحديثة كيان سياسي وجغرافي، يمكن أن يضم مواطنين مختلفين في الدين والعرق والثقافة، وتقوم علاقتهم بالدولة على المواطنة والقانون.
وقد ذهب عدد من العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين، ومنهم الدكتور محمد المختار الشنقيطي، إلى التمييز بين القيم والمبادئ الإسلامية وبين الأشكال التاريخية التي اتخذتها الدولة في عصور مختلفة؛ فالعدل والحرية والشورى وحفظ الحقوق قيم لا تتغير، أما شكل الدولة ونظام مؤسساتها فليس صورة تاريخية واحدة ملزمة لكل زمان.
ومن هنا يأتي السؤال الأهم:
🤔 كيف تعاملت الدولة المسلمة تاريخيًا مع غير المسلم؟
وكيف تعاملت مع المسلم الذي يعارض الحاكم؟
وهل جعل الإسلام المعارضة السياسية جريمة؟
الإسلام لم يجعل الحاكم معصومًا، ولم يجعل طاعته مطلقة، ولم يجعل مخالفته في الرأي خروجًا على الدين.
والتاريخ الإسلامي نفسه عرف اختلاف المسلمين في السياسة والخلافة، وعرف معارضة الحاكم، بل عرف أحكامًا خاصة للبغاة حين يتحول الخلاف إلى قتال مسلح.
أي أن هناك فرقًا بين:
الرأي السياسي، والمعارضة، والتمرد المسلح، والجريمة.
ولغير المسلمين يقول القرآن:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
ويقول:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.
ثم تأتي القاعدة التي ينبغي أن تكون فوق كل مؤسسة للسلطة:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
إذا كان الاختلاف في الدين لا يبيح الظلم، فكيف يكون مجرد الاختلاف السياسي بين المسلمين سبباً للظلم؟
🛑 وهنا تبدأ مأساة دولة الإنقاذ.
استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة في 30 يونيو 1989، وهي تقول إنها جاءت لتطبيق الشريعة وإقامة دولة الإسلام.
وكان أول اختبار حقيقي لهذا المشروع هو:
العدل.
لا كثرة الشعارات.
ولا المنابر.
ولا المظاهر الدينية.
بل:
كيف تعاملوا مع الخصم؟
كيف تعاملوا مع المعارض؟
كيف تعاملوا مع المتهم؟
كيف تعاملوا مع الضعيف؟
وهل كان القانون واحدًا على الجميع؟
المشكلة لم تكن أن السودان بلا قوانين.
كانت لدينا قوانين، ونيابة، وقضاء، وشرطة، وأجهزة عدلية.
لكن المصيبة كانت في انتقائية التطبيق.
كان القانون يمكن أن يكون شديدًا على الضعيف، مرنًا أمام القوي؛ سريعًا مع الخصم، بطيئًا مع الموالي.
وهنا يتحول القانون من ميزان للعدل إلى أداة في يد السلطة.
🛑 مجدي يعقوب والطيار جرجس… ثم عمر البشير!
في بدايات الإنقاذ أُعدم مجدي يعقوب والطيار جرجس في قضية تتعلق بالنقد الأجنبي.
ثم انتهى عهد الإنقاذ، وفي عهد الحكومة الانتقالية بعد الثورة حوكم عمر البشير وأُدين في قضية تتعلق بالنقد الأجنبي.
لا أتحدث هنا عن صحة الأحكام القضائية في الحالتين، وإنما عن المفارقة السياسية والأخلاقية:
في بداية النظام كان القانون بالغ القسوة على مواطنين في قضية عملة.
وفي نهاية النظام وجدنا رئيس الجمهورية نفسه يُحاكم في قضية من ذات الباب.
بل إن البشير تحدث بنفسه عن تقديم مبالغ ضخمة من النقد الأجنبي، ومن ذلك ما أُعلن عن إعطائه الشيخ عبد الحي يوسف خمسة ملايين دولار.
فالسؤال ليس: من ندين؟
السؤال:
هل كان القانون يُطبَّق بالمعيار نفسه على الجميع؟
🛑 ثم تحول الانتماء إلى السلطة إلى حصانة عملية.
مخالفة القانون تصبح أخف إذا كان صاحبها من أهل السلطة أو الأجهزة النظامية.
حتى المخالفات اليومية كانت تعكس هذه الثقافة:
سيارات بلا لوحات.
سيارات بلا ترخيص.
عسكري لا يحترم قانون المرور.
ثم جاءت الحرب، فانفجرت هذه الثقافة في وجه المجتمع:
سيارات المدنيين وممتلكاتهم تُنتزع باعتبارها «غنائم حرب» أو «أنفالًا».
هل حمل السلاح يجعل مال المواطن مباحًا؟
🛑 وفي الجنوب… أصبح الخصم السياسي عدوًا للدين.
كان النزاع سياسيًا وتاريخيًا ومعقدًا، لكن النظام قدم الحرب في جانب كبير منها باعتبارها جهادًا.
فأُرسل الشباب السوداني إلى القتال تحت راية الدين.
ثم انتهت الحرب بانفصال الجنوب.
وهنا يبقى السؤال:
هل كان تحويل النزاع السياسي إلى حرب دينية هو الطريق الوحيد؟
ثم جاءت دارفور.
وكان الدكتور خليل إبراهيم أحد أبناء الحركة الإسلامية قبل أن يصبح خصمًا للنظام.
وهنا سقطت حجة «مسلم ضد كافر».
كان الخلاف بين أبناء المشروع نفسه.
لكن عندما خرج الرجل من الجماعة أصبح خصمًا، وتحولت السياسة إلى حرب.
ثم جاءت المفاصلة بين البشير والترابي، ومحاولات الخروج على النظام، ومنها محاولة ود إبراهيم.
واستُحضرت في ذلك السياق قصة الـ28 ضابطًا الذين أُعدموا بعد اتهامهم بالمشاركة في محاولة انقلاب.
مرة أخرى:
**المشكلة لم تكن في الدين.
المشكلة كانت في السلطة.**
🛑 ثم جاءت ديسمبر.
جيل جديد قال:
حرية. سلام. عدالة. دولة مدنية.
فبدأ التخوين:
شيوعيون.
علمانيون.
عملاء.
أعداء الإسلام.
ثم جاءت مجزرة فض الاعتصام.
ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وقتل متظاهرين آخرين.
وظل السؤال نفسه:
هل المعارض مواطن له حقوق، أم هدف أمني؟
وتداول السودانيون عبارات صادمة منسوبة إلى مسؤولين في النظام، من بينها:
«Shoot to kill»
و:
«ما تجيبو حي».
بعيدًا عن الجدل حول كل تسجيل، فإن السؤال الذي تثيره هذه الثقافة واضح:
هل وظيفة الدولة أن تقبض على المتهم وتحاكمه، أم أن تقتله لأنه خصم؟
🛑 ومن «ما تجيبو حي» إلى «البلاغ السياسي».
ها نحن في سودان 2026.
قوى مدنية وسياسية تقول:
أوقفوا الحرب..
أعيدوا الانتقال المدني..
نريد السلام..
فتُفتح في مواجهتهم البلاغات، وتُوجه الاتهامات، وتُلاحق شخصيات سياسية وإعلامية، ويصبح السعي إلى وقف الحرب نفسه موضع تجريم أو تشكيك.
وأقول بوضوح:
إذا ارتكب أحدهم جريمة:
فليُحاكم.
لكن القانون لا يسأل:
هل أنت مع السلطة أم ضدها؟
بل يسأل:
ماذا فعلت؟ أين الدليل؟ وما النص الذي يجرّم فعلك؟
أما أن يصبح مجرد الموقف السياسي المعارض جريمة، فهنا يتحول القانون إلى أداة سياسية.
والأخطر:
عندما تصبح هذه الإجراءات قابلة للتجميد أو العفو عندما تتغير الحاجة السياسية.
**النيابة ليست ورقة تفاوض.
والقضاء ليس أداة للمناورة.**
🛑 وماذا عن الطرف الآخر؟
قادة وأفراد من الدعم السريع متهمون بجرائم وانتهاكات جسيمة.
ثم انضم بعضهم إلى القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش.
وهنا كان يجب أن يكون المعيار واحدًا:
الانشقاق لا يمحو الجريمة.
وتغيير الزي لا يمحو الجريمة.
والانضمام إلى قوة موالية للسلطة لا يمنح حصانة.
وفي المقابل، لا يجوز اتهام شخص لمجرد انتمائه إلى قوة مسلحة.
المعيار هو:
الفعل، والدليل، والمسؤولية الشخصية، والمحاكمة العادلة.
لكن ما نراه اليوم يهدد بإنتاج قاعدة جديدة:
احمل السلاح في صف الحاكم… تحصل على الحصانة.
بينما المواطن الذي بقي في منطقة يسيطر عليها الدعم السريع قد يصبح متهمًا بالتعاون معه، حتى لو كان كل ذنبه أنه حاول البقاء حيًا.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها:
امرأة فقيرة محاصرة بالحرب تُتهم لأنها كانت تقوم بعمل الحناء وتزيين زوجات مقاتلين من الدعم السريع.
فأسأل:
أين الجريمة؟
أين القصد الجنائي؟
وهل كان مطلوبًا من المدني المحاصر أن يحمل السلاح حتى يثبت ولاءه؟
🛑 وماذا عن البرهان وحميدتي؟
إذا كان القانون يلاحق المعارضين، فأين القانون عندما يتعلق الأمر بأصحاب القوة؟
البرهان وحميدتي كانا في قمة السلطة العسكرية بعد سقوط البشير، ثم شاركا في انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم اندلعت حرب 15 أبريل 2023، وتوالت الاتهامات الخطيرة ضد طرفي الحرب بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
لا أطلب إدانة أحد بالخطاب السياسي.
بل أطلب:
حققوا.
حاكموا.
أدينوا من تثبت إدانته.
وبرئوا من لم تثبت عليه الجريمة.
هذه هي العدالة.
أما أن يكون القانون شديدًا على الضعيف وصامتًا أمام صاحب القوة:
**فهذه ليست عدالة.
هذه انتقائية.
وهذا ظلم.**
🛑 وهنا أصل الحكاية كلها.
المشكلة لم تكن في غياب القوانين.
كانت في المعيار.
إذا أخطأ الموالي، وُجد له مخرج.
وإذا أخطأ المعارض، وُجدت له تهمة.
إذا حمل الموالي السلاح، أصبح حليفًا.
وإذا حمل الخصم السلاح، أصبح مجرمًا.
إذا انشق المسلح وانضم إلى السلطة، تغيرت صفته.
وإذا بقي المدني في منطقة يسيطر عليها الخصم، أصبح متعاونًا.
وهكذا ماتت القاعدة الأهم:
أن القانون لا يعرف إلا الفعل والدليل والمسؤولية.
🛑 وهذه هي الجريمة الأخطر في تجربة الحركة الإسلامية.
ليست فقط أنها أخطأت في الحكم.
بل أنها سمحت بأن تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى جزء من الصراع السياسي.
فبدل أن يكون القانون فوق الجميع…
أصبح الحاكم هو الذي يقرر:
متى يُستخدم القانون، وعلى من يُستخدم، ومتى يتوقف.
وهذا هو الإرث الذي ما زال السودان يدفع ثمنه حتى اليوم.
فالإسلام لم يقل:
﴿اعْدِلُوا مَعَ جَمَاعَتِكُمْ﴾.
قال:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
ولم يقل:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ أَعْدَائِكُمْ إِنْ كَانُوا ضُعَفَاءَ﴾.
بل قال:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
فإذا كان هذا هو ميزان الإسلام مع الخصم…
فكيف يجوز أن تصبح مؤسسات الدولة أداة للانتقام من الخصوم السياسيين؟
🛑 السودان لا يحتاج إلى قانون جديد بقدر ما يحتاج إلى عدالة واحدة.
لا نريد دولة تنتقم من الإسلاميين.
ولا دولة تنتقم من الدعم السريع.
ولا دولة تنتقم من الجيش.
ولا دولة تنتقم من القوى المدنية.
نريد دولة لا تنتقم أصلًا.
دولة تحقق.
وتحاكم.
وتدين من تثبت إدانته.
وتبرئ من لم تثبت عليه الجريمة.
دولة لا تسأل:
من جماعتك؟
ولا:
من يحميك؟
ولا:
لمن تحمل السلاح؟
بل تسأل:
ماذا فعلت؟
ثم تطبق القانون عليك كما تطبقه على غيرك.
لا البرهان فوق القانون.
ولا حميدتي.
ولا الإسلاميون.
ولا الدعم السريع.
ولا الجيش.
ولا الأمن.
ولا الميليشيات.
ولا القوى المدنية.
الجميع أمام القانون سواء.
ومن ارتكب جريمة يحاكم.
ومن لم يرتكب جريمة يترك.
ومن عارض سياسيًا لا يُجرَّم بسبب معارضته.
ومن حمل السلاح لا يحصل على حصانة لأنه حمله في صف السلطة.
ومن كان في السلطة لا تمنحه سلطته حصانة أبدية.
ومن كان في المعارضة لا تجعله معارضته مجرمًا.
**ليس المطلوب أن ينتصر طرف على طرف…
بل أن ينتصر القانون على الجميع.**
وعندها فقط نكون قد خرجنا من دولة الإنقاذ…
ومن كل ما يشبهها.
أما تغيير الأشخاص مع بقاء هذه الثقافة…
فهو مجرد تغيير للوجوه، لا تغيير للدولة .

زر الذهاب إلى الأعلى