الأعمدة

أخطر ما يفتقده كثير من الذين يتصدرون المشهد السوداني اليوم، القدرة على التمييز بين التحليل الواقعي والخيال السياسي

عثمان فضل الله
من أهم ما ينبغي على المشتغل بالسياسة أن يدركه، وربما من أخطر ما يفتقده كثير من الذين يتصدرون المشهد السوداني اليوم، القدرة على التمييز بين التحليل الواقعي والخيال السياسي. فليس كل ما نرغب في حدوثه قابلاً للحدوث، وليس كل ما نعتقد أنه ممكن سياسياً يملك شروط التحقق على الأرض. وبين الرغبة والواقع مسافة قد تكون قصيرة في السياسة الرشيدة، لكنها قد تتحول إلى هاوية حين تُبنى القرارات على الأمنيات والتوقعات أكثر مما تُبنى على قراءة موازين القوى والمصالح والوقائع.
المشكلة أن الخيال السياسي لا يبقى دائماً في حدود الأفكار. حين يتحول إلى قرار سياسي، يصبح له ثمن. وحين تتخذه النخب التي تملك تأثيراً على الحرب والسلام، يصبح الثمن حياة الناس نفسها.
ولست هنا معفياً فئة بعينها من هذا الداء، فالواقع يقول إن الخيال السياسي تمدد في معسكرات الخصومة كافة، وإن اختلفت أشكاله واتجاهاته.
لعل أحد أكثر الأمثلة دلالة ما حدث عندما اختار بعض السياسيين الاصطفاف إلى جانب الدعم السريع، وبنوا جزءاً من خطابهم على تصورات تتعلق بمستقبل السلطة والاعتراف الدولي. كان الحديث في البداية عن أن الحكومة الجديدة ستنال اعتراف أكثر من عشر دول، ثم تقلص الرقم إلى ثماني دول، ثم أخذت التقديرات تتراجع، إلى أن انتهى الأمر إلى ما يمكن وصفه اليوم بالمحصلة الواقعية: صفر.
لا أتوقف هنا عند الموقف السياسي ذاته، ولا عند حق أي طرف في اتخاذ موقف يراه صحيحاً، وإنما أتوقف عند المنهج الذي يُبنى عليه الموقف.
فالسياسة الدولية لا تعمل بمنطق الأمنيات، ولا تتحرك بدافع التعاطف، ولا تمنح الشرعية السياسية لأن طرفاً ما يعتقد أنه يستحقها. الدول، في نهاية الأمر، تنظر إلى مصالحها، وموازين القوى، والشرعية القانونية، والمخاطر الأمنية، وقدرة أي سلطة على البقاء وإدارة الدولة، وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
قد تتعاطف دولة مع طرف، وقد تختلف مع طرف آخر، وقد تستخدم خطاباً سياسياً منحازاً في لحظة معينة، لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أنها ستذهب إلى النهاية في الاعتراف بسلطة نشأت من قلب الحرب أو فرضت نفسها بقوة السلاح.
وهنا تحديداً ينبغي أن يتعلم السياسي السوداني درساً قاسياً: الفرق كبير بين أن تتمنى أن يحدث شيء، وأن تملك مؤشرات حقيقية على أنه سيحدث.
المفارقة أن خصوم هذا التصور وقع بعضهم في الفخ نفسه، ولكن من الجهة المقابلة.
تقرأ في كتابات وتصريحات كثير من الداعمين للجيش دعوات إلى أن يتجه السودان إلى معسكر الصين وروسيا وإيران، وكأن العلاقات الدولية يمكن إدارتها بمنطق “النكاية” في الولايات المتحدة وحلفائها، أو كأن السودان يستطيع ببساطة أن يختار معسكراً دولياً بديلاً ثم ينتظم فتحل كل مشكلاته.
هذا أيضاً ضرب من ضروب التفكير الرغبوي.
نعم، من حق السودان في ظروفه الطبيعية أن ينفتح على الصين وروسيا وإيران والهند وتركيا والسعودية ومصر وغيرها، وأن يبني سياسة خارجية تقوم على تنويع العلاقات وعدم الارتهان لمحور واحد. بل إن المصلحة الوطنية تقتضي في كثير من الأحيان أن يمتلك السودان أكبر قدر ممكن من الخيارات.
لكن هناك فرقاً هائلاً بين تنويع العلاقات الخارجية في ظرف الاستقرار وبين الاعتقاد أن الانتقال من محور إلى آخر سيجعل أحدهم يخوض تلقائياً معركتك إنابة عنك.
الصين ليست جمعية خيرية، وروسيا ليست قوة تعمل خارج حسابات مصالحها، وإيران لا تتحرك في الإقليم بلا أجندة، كما أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تتحركان بدافع العاطفة وحدها. كل هؤلاء يبحثون عن مصالحهم، وعن نفوذهم، وعن أمنهم، وعن مواقعهم في صراع المصالح الدولية.
ومن يريد أن يتعامل مع العالم بواقعية، فعليه أن يفهم هذه الحقيقة قبل أن يرفع شعارات المحاور.
وهذا القول ينطبق كذلك على بعض الرؤى الحالمة لدى الجيش وداعمي مشروع خصومه “تأسيس”. فكما أن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على بناء دولة، فإن امتلاك السيطرة على مناطق أو تشكيل تحالفات أو إطلاق مشروع سياسي جديد لا يعني تلقائياً امتلاك شروط الاعتراف الدولي أو القدرة على إدارة السودان.
السياسة ليست مسابقة في إنتاج السيناريوهات الأكثر إثارة، وإنما هي علم قراءة الممكن.
قد تكون لديك قوة عسكرية، لكنك لا تملك الشرعية السياسية.
وقد تملك الشرعية الأخلاقية في نظر أنصارك، لكنك لا تملك أدوات الحكم.
وقد تحصل على دعم إقليمي، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى اعتراف دولي.
وقد تكسب معركة، لكنك تخسر الدولة.
وهذه هي المأساة السودانية الكبرى: أن كثيراً من الفاعلين يتعاملون مع جزء من الحقيقة باعتباره الحقيقة كلها.
لو أمعنا النظر في المشهد السوداني الآن، لوجدنا مئات الأمثلة على قرارات وتقديرات بُنيت على تصورات لم تكن تمتلك ما يكفي من الحيثيات الواقعية.
توقعات بانهيار طرف خلال أسابيع.
توقعات بانتصار عسكري حاسم.
توقعات بتدخل دولي مباشر.
توقعات باعتراف دولي سريع.
توقعات بأن دولة بعينها ستنحاز نهائياً إلى هذا المعسكر أو ذاك.
توقعات بأن العقوبات ستسقط حكومة.
وتوقعات بأن التحالفات الإقليمية ستنهي الحرب.
كلها أمثلة على مشكلة واحدة: حين يتحول التمني إلى تحليل، ويتحول التحليل الوهمي إلى قرار.
والمشكلة لا تكمن في أن السياسي قد يخطئ في تقديراته؛ فالخطأ جزء من العمل السياسي. المشكلة الحقيقية أن السياسي يصر على اعتقاداته حتى بعد أن تتغير الوقائع، ويعيد تفسير الواقع بما يتناسب مع روايته بدلاً من أن يعيد بناء روايته وفقاً للواقع.
السياسي المحترف ليس هو الذي لا يخطئ، وإنما هو الذي يستطيع أن يقول: أخطأت في التقدير، وتغيرت المعطيات، ولذلك يجب أن نغير موقفنا.
أما أخطر السياسيين فهو الذي يخسر الواقع ولا يخسر ثقته في الوهم.
في البلدان المستقرة قد تمر مثل هذه الأخطاء دون كلفة كارثية. أما في السودان، فالأمر مختلف تماماً.
هنا تتحول التقديرات السياسية الخاطئة إلى جبهات قتال.
يتحول الخطاب إلى تعبئة.
وتتحول التعبئة إلى تجنيد.
ويتحول التجنيد إلى قبور.
شباب يُدفعون إلى المحارق لأن أحداً أقنعهم بأن النصر قريب.
ومدن تُدمّر لأن قائداً يعتقد أن المعركة ستنتهي غداً.
وأسر تفقد أبناءها لأن سياسيين بنوا حساباتهم على تقديرات لم تكن أكثر من أمنيات.
وبشر يُساقون إلى المعتقلات والمشانق بينما يتجادل آخرون حول خرائط النفوذ وموازين القوى من وراء الشاشات.
وهنا تصبح مسؤولية السياسي أكبر بكثير من مسؤولية المحلل أو الكاتب. فالكاتب يستطيع أن يخطئ في مقال، والمحلل يستطيع أن يخطئ في تقدير، لكن السياسي حين يخطئ قد يرسل آلاف الناس إلى الموت.
فالسياسة ليست مقامرة و
السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من المقامرة السياسية.
نحن أمام دولة منهكة، وحرب استنزفت المجتمع، وجيش وقوات مسلحة متعددة، وملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد محطم، ونسيج اجتماعي يتآكل، وأجيال كاملة مهددة بأن تكبر في ظل الحرب.
في مثل هذا الواقع لا يصبح المطلوب من السياسي أن يكون أكثر حماساً، وإنما أن يكون أكثر عقلانية.
لا نحتاج إلى سياسي يخبر الناس بما يحبون سماعه، وإنما إلى سياسي يقول لهم ما يستطيع الواقع تحمله.
لا نحتاج إلى من يبيع الانتصار قبل أن تبدأ المعركة، ولا إلى من يبيع الاعتراف قبل أن توجد دولة، ولا إلى من يبيع التحالفات باعتبارها خلاصاً نهائياً.
نحتاج إلى من يعرف حدود القوة، وحدود النفوذ، وحدود الدعم الخارجي، وحدود قدرة أي طرف على فرض رؤيته على السودان.
الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي سوداني يجب أن يكون بسيطاً وقاسياً في الوقت نفسه:
ما الذي يمكن تحقيقه فعلاً؟
ما الأدوات المتاحة لتحقيقه؟
من سيدفع ثمن الفشل؟
ماذا تقول الوقائع، لا الأمنيات؟
وماذا سيحدث إذا جاء الواقع مخالفاً لتوقعاتنا؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً. إنها أسئلة حياة وموت.
وإذا كان السياسي عاجزاً عن الإجابة عنها، فعليه أن يتواضع أمام الواقع، لا أن يرفع سقف الشعارات.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من النبوءات السياسية. يحتاج إلى قراءة دقيقة للواقع، وإلى شجاعة الاعتراف بالحقائق حتى عندما تكون مؤلمة، وإلى عقل سياسي يعرف أن الدول لا تُبنى بما نريد أن يكون، وإنما بما هو ممكن، وما يمكن تطويره تدريجياً إلى ما نريد أن يكون.
ليس المطلوب قتل الحلم السياسي. الشعوب تحتاج إلى الأحلام، وتحتاج إلى تصور المستقبل، وتحتاج إلى الأمل.
لكن هناك فارقاً بين الحلم الذي يقود إلى المستقبل، والوهم الذي يقود إلى الكارثة.
الحلم السياسي يضع أهدافاً بعيدة ثم يبحث عن الطريق الواقعي إليها.
أما الوهم السياسي فيقفز فوق الطريق ويتصرف وكأن الوصول قد حدث بالفعل.
والسودان دفع، ويدفع، ثمناً باهظاً لهذا النوع الثاني.
لذلك فإن أول واجب على كل من يتصدر المشهد اليوم، أياً كان موقعه أو معسكره، أن يسأل نفسه قبل أن يتخذ موقفاً أو يصدر وعداً أو يدفع الناس إلى الاصطفاف: هل أنا أقرأ الواقع كما هو، أم كما أتمنى أن يكون؟
فالفارق بين السؤالين قد يبدو صغيراً في غرفة الاجتماعات، لكنه في السودان قد يكون الفارق بين السلام والحرب، وبين الحياة والموت.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لبلد أنهكته الحرب هو أن يصبح الخيال السياسي الذي يقود القرار، بينما يظل الواقع وحده هوالذي يدفع الفاتورة.

زر الذهاب إلى الأعلى