لم يتبقَّ لنا من الحياة ما يستحق أن نبدّد من أجله أرواحنا في الخصومات الصغيرة؛ فقد استدبرنا من أعمارنا أكثر مما بقي لنا

لم يتبقَّ لنا من الحياة ما يستحق أن نبدّد من أجله أرواحنا في الخصومات الصغيرة؛ فقد استدبرنا من أعمارنا أكثر مما بقي لنا في الطريق، وما مضى صار وراءنا كظلٍّ لا يُستعاد، وما سيأتي ليس لنا منه إلا بقدر ما يأذن به الله.
ولهذا، فإن كل ما نقوله ونكتبه محكومٌ بهذه المعرفة الخفية: أن العمر قصير، وأن الإنسان راحل، وأن الذي يبقى بعدنا ليس كثرة ما قلنا، وإنما الأثر الذي تركناه في قلوب من مررنا بهم.
ومن هنا نقول: لا تخن من استأمنك، حتى وإن كنت أنت في موضع الخيانة. لا تجعل أمانةً وُضعت في يدك سكيناً في ظهر صاحبها. فالخيانة لا تصير شرفاً لأن غيرك خان، ولا يصبح الغدر مباحاً لأن الطريق امتلأ بالغادرين.
وفي هذه البلاد، كم من إنسانٍ استأمن إنساناً على قلبه وسرّه وظهره، ثم أدار له الآخر ظهر الخيانة. وكم من يدٍ امتدت طلباً للأمان، فعادت مثقلةً بالخذلان.
نحن لا نملك أن نطهّر العالم كله من الخيانة، لكننا نملك أن ننجو بأنفسنا منها. وحين تضيق بنا الدنيا، يبقى لنا أن نكون أوفياء، لا لأن الآخرين يستحقون الوفاء دائماً، بل لأننا نريد أن نلقى الله وقلوبنا خفيفة من أوزار الذين ائتمنونا.
فما بقي من العمر أقل من أن نحمله خصومات، وأثمن من أن نضيعه في الغدر. وما عند الله أبقى، وما يبقى من الإنسان في آخر الطريق ليس ما أخذه من الناس، وإنما ما حفظه لهم.
وبس



