الأعمدة

القضية قانونية بحتة؛ هل شيخ الزين مذنب أم ضحية؟

علاء محمد عبدالرحيم
منذ أن انفجرت قضية الشيخ الزين محمد أحمد في وسائل التواصل الاجتماعي، انقسم الناس إلى معسكرين؛ معسكر رأى في مجرد الاتهام دليلاً كافياً للإدانة، وآخر رأى في حفظ الرجل للقرآن وإمامته للمصلين وصوته المعروف شهادة براءة لا تقبل النقاش. وفي تقديري أن الفريقين يبدأان من المكان الخطأ. فالقضية ليست؛ هل الشيخ الزين رجل دين؟ وليست؛ هل هو مقرئ جميل الصوت؟ ولا؛ هل نحبه أم نكرهه؟ القضية أبسط من ذلك وأخطر؛ هل ارتكب الأفعال المنسوبة إليه أم لم يرتكبها؟ والجواب لا يملكه فيسبوك، ولا خصوم الشيخ، ولا محبوه؛ يملكه الدليل والقانون والمحكمة.
التسجيل الذي أثار القضية ليس تسجيلاً للشيخ الزين، وإنما لفتاة تتحدث عن علاقة بينها وبينه، وتتهمه بأنه زنى بها، وأنها حملت منه، وأنه حملها على إجهاض الجنين. وهنا لا يتعلق السؤال بإثبات هوية صوت الشيخ، وإنما بصحة رواية الفتاة، وما إذا كانت هناك أدلة وقرائن مستقلة تسند ما تقوله. وفي المقابل، رد الشيخ الزين، بحسب ما نُشر عنه، بأن ما يجري حملة قديمة تعود إلى عام ٢٠١٧، وتحدث عن فبركة مواد ونسبتها إليه، وقال؛ “العندو حاجة مفروض يمشي المحكمة”. كما تحرك فريقه القانوني ضد النشر والتشهير.
حتى هذه اللحظة، ما تقوله الفتاة يظل اتهاماً خطيراً يستحق التحقيق؛ لكنه لا يتحول بمجرد نشره إلى حقيقة قضائية ثابتة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز إسقاط روايتها أو اتهامها بالكذب لمجرد أن الشخص الذي تتهمه شيخ معروف ومقرئ للقرآن. روايتها تستحق التحقيق؛ والشيخ يستحق قرينة البراءة؛ وبين الاثنين يقف القانون. كون الرجل حافظاً للقرآن لا يمنحه حصانة من المساءلة. ولو ثبت أنه ارتكب جريمة، فلا توجد آية تقول إن حافظ القرآن فوق الحساب، ولا حديث يجعل الإمام أرفع من القانون. وحين قال الرسول ﷺ؛ “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، بيّن أن نصرة الظالم تكون بمنعه من ظلمه. وحفظ القرآن فضيلة، لكنه ليس صك براءة، والإمامة ليست حصانة قانونية، والصوت الجميل ليس دليلاً أمام المحكمة. وفي الاتجاه الآخر؛ كون الرجل شيخاً، أو اختلافنا معه سياسياً أو فكرياً، لا يجعله مذنباً. فكما لا أقبل أن يحتمي الشيخ بالمصحف من القانون، لا أقبل أن يستخدم خصومه مواقع التواصل بديلاً عن المحكمة.
فهل يكفي إذاً تسجيل الفتاة لإدانته؟
الإجابة بالطبع لا. فالفتاة تتحدث عن وقائع محددة وخطيرة؛ علاقة جنسية، وحمل، ثم إجهاض تقول إن الشيخ حملها عليه. لكن هناك فارقاً بين أن تُروى الواقعة وبين أن تثبت قضائياً. السؤال هنا ليس؛ هل نصدق الفتاة أم نصدق الشيخ؟ وإنما؛ ماذا يمكن إثباته؟ هل توجد مراسلات بينهما؟ سجلات اتصالات؟ رسائل صوتية أو نصية؟ تحويلات مالية؟ تقارير طبية تثبت الحمل أو الإجهاض؟ شهود؟ أو أي أدلة تربط الشيخ بالفتاة خلال الفترة التي تتحدث عنها، وتثبت أنه طلب الإجهاض أو حرّض عليه أو ساعد في حدوثه؟ هذه ليست أسئلة للتشكيك في الفتاة ولا لتبرئة الشيخ؛ وإنما هي الأسئلة التي يطرحها القانون.
أما جريمة الزنا، فلإثباتها في القانون السوداني قواعد خاصة. فالمادة ٦٢ من قانون الإثبات لسنة ١٩٩٤ تحدد طرق إثباتها، ومن بينها الإقرار أمام المحكمة، وشهادة أربعة رجال عدول، والحمل في الحالات التي يحددها القانون، واللعان في الحالة المنصوص عليها. ولذلك فإن مجرد قول الفتاة إن شخصاً زنى بها لا يجعل الجريمة الحدية ثابتة تلقائياً، وإن كان قولها سبباً جدياً للتحقيق والبحث عن أدلة أخرى. وماذا عن الحمل؟ @حتى إذا ثبت أن المرأة كانت حاملاً، فإن ذلك لا يثبت وحده أن الشيخ هو والد الجنين. فإثبات الحمل شيء، وإثبات الأبوة شيء آخر؛ ولا بد من أدلة تربط الرجل بالحمل.
أما الإجهاض، فهو جانب مستقل وخطير من الاتهام. فالقانون الجنائي السوداني يتناول الإجهاض في المواد ١٣٥ إلى ١٣٧؛ ويجرّم التسبب قصداً في إسقاط الجنين خارج الحالات التي يجيزها القانون. لكن الدقة تظل واجبة؛ قول الفتاة إنها أجهضت لا يثبت وحده وقوع الإجهاض، وثبوت الإجهاض لا يثبت وحده أن الشيخ أمر به، كما أن الطلب والتحريض والمساعدة والمشاركة والشروع لكل منها وصف قانوني وعناصر ينبغي إثباتها.
فإذا ثبت الحمل، وثبت الإجهاض، وثبتت صلة الشيخ بالوقائع، وثبت أنه تدخل بقصد إسقاط الجنين أو حرّض أو ساعد على نحو يجرّمه القانون، فحينها لا نكون أمام شائعة أخلاقية، وإنما أمام مسؤولية جنائية يفصل فيها القضاء. وهنا لا تفيد العمامة شيئاً.
وفي المقابل، قرأت دفاعاً عن الشيخ بلغ حد القول إنه “حامل قرآن” و”رمز للدين”، وكأن ذلك يضعه فوق الشبهة. وهذا دفاع يضر الشيخ أكثر مما ينفعه. لا يوجد إنسان فوق الشبهة؛ كما لا يوجد إنسان دون حقه في قرينة البراءة. والقرآن أكبر من الشيخ ومن خصومه ومن جميعنا، فلا ينبغي إدخال المصحف طرفاً في قضية جنائية. إذا كان الشيخ بريئاً فلتظهر براءته بالدليل، وإذا كانت الفتاة كاذبة أو مختلقة للرواية، فمن حقه أن يلاحق من افترى عليه بالقانون. فالإنسان يحاسب على فعله لا على لقبه. وفي المقابل أيضاً، لا يجوز اغتيال الفتاة معنوياً لمجرد أنها تحدثت. لا يجوز شتمها أو الطعن في عرضها أو إسكاتها باسم الدفاع عن الدين. إذا كانت لديها دعوى فلتُسمع، وإذا كانت لديها أدلة فلتقدمها، وإذا كانت روايتها صحيحة فمن حقها أن تجد العدالة، وإن كانت كاذبة عمداً فالقانون هو الطريق لمحاسبتها.
فالعدالة التي نطالب بها للشيخ هي ذاتها العدالة التي يجب أن نطالب بها للفتاة؛ لا عدالة بنصف ميزان. كما أنني لا أقبل استخدام القضية لتصفية حسابات سياسية أو فكرية قديمة مع الشيخ. فقد نختلف معه في السياسة، أو في فهم الدين والدولة والحرب والسلام، لكن هذا كله لا يثبت جريمة. عندما يصل الأمر إلى اتهام رجل بالزنا والتسبب في إجهاض، ينتهي المقال السياسي وتبدأ القضية الجنائية. إذن؛ هل شيخ الزين مذنب أم ضحية؟ الجواب المسؤول حتى هذه اللحظة هو؛ لا نعرف بعد. إذا كانت رواية الفتاة كاذبة وثبت اختلاق هذه الاتهامات، فالشيخ ضحية افتراء وتشهير، ومن فعل ذلك ينبغي أن يتحمل مسؤوليته القانونية. أما إذا ثبتت صحة روايتها بالأدلة، وثبتت العلاقة والحمل وصلته به، وثبت أنه حملها على الإجهاض أو حرّض أو ساعد عليه بما يجرّمه القانون، فعندها يكون مسؤولاً عن أفعاله مثل أي مواطن آخر؛ ولا ينقذه صوت جميل ولا ملايين المستمعين ولا لقب “الشيخ”. بين هذين الاحتمالين توجد مساحة اسمها التحقيق والإثبات والمحاكمة.
هذه هي دولة القانون التي ينبغي أن نريدها للسودان؛ دولة لا يُدان فيها الإنسان لأنه خصمنا، ولا يبرأ لأنه شيخنا؛ لا تجعل العمامة حصانة، ولا تجعل الكراهية دليلاً. من يريد الدفاع عن الشيخ لا ينبغي أن يسأل؛ كيف يفعل ذلك وهو حافظ لكتاب الله؟ بل عليه أن يسأل؛ هل ثبت أنه فعل ذلك؟ ومن يريد إدانته لا ينبغي أن يتعامل مع التسجيل باعتباره حكماً نهائياً، بل عليه أن يسأل؛ ما الأدلة التي تسند ما قالته الفتاة؟ تلك هي القضية. ليست القضية رجل دين أم مقرئ قرآن، وليست شيخاً نحبه أو خصماً نكرهه، وليست فتاة نصدقها أو نكذبها بناءً على أهوائنا. القضية قانونية بحتة؛ ادعاء، وتحقيق، ودليل، ودفاع، ومحكمة، ثم حكم. وحتى يقول القضاء كلمته، لا ينبغي أن نحول الاتهام إلى إدانة، ولا المكانة الدينية إلى براءة. فبين التقديس والتشهير، وبين الاتهام والبراءة، توجد مساحة اسمها العدالة؛ وهي وحدها المساحة التي ينبغي أن نقف فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى