
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
حين بدأتُ دراسة الجودة، ظننت أنني دخلتُ علمًا جديدًا، ثم اكتشفت أن كثيرًا من مبادئه كانت حاضرة في منظومة القيم التي نشأنا عليها.
وأنا أفكر وأكتب في رؤية حركة السودان الأخضر للتعليم وبناء الإنسان — «التعليم الأخضر»، أشعر بحزن عميق لانفصال التعليم في بلادي عن بناء الإنسان، ومن ثم انفصاله عن خطط السلام والتنمية المستدامة والإنتاج.
تذكرت كيف تفاعلت المملكة المتحدة مع تقدم اليابان عليها في المجال الصناعي والتكنولوجي، وكيف أصبحت جودة الإنتاج واحدة من أهم مفاتيح ذلك التقدم.
لكنني، وأنا أتأمل تجربة اليابان، وجدت درسًا آخر أراه مهمًا جدًا للسودان اليوم.
*من تحت الأنقاض… إلى مارد صناعي*
اليابان لم تصبح اليابان التي نعرفها اليوم لأنها لم تعرف الحرب، بل لأنها عرفت كيف تخرج من الحرب.
خرجت من الحرب العالمية الثانية دولة مدمرة، مثقلة بالخسائر، ثم تعرضت هيروشيما وناغازاكي للقنابل النووية، في واحدة من أبشع مآسي التاريخ الحديث.
كان يمكن أن تقول اليابان: انتهى كل شيء.
لكنها لم تفعل.
بدأت من تحت الأنقاض، واستثمرت في الإنسان والتعليم والعمل والانضباط والإنتاج، وتعلمت من الآخرين، ثم طورت ما تعلمته وأضافت إليه تجربتها وثقافتها.
وبعد عقود، لم تعد اليابان مجرد دولة تتعافى من آثار الحرب، بل خرجت من الحرب ماردًا اقتصاديًا وصناعيًا وتقنيًا، وأصبحت منتجاتها، ومنها سيارات تويوتا والإلكترونيات اليابانية، رموزًا للجودة والاعتمادية.
*وهنا أرى رسالة مهمة للسودان:*
الحرب ليست بالضرورة نهاية القصة.
قد تكون نهاية مرحلة مؤلمة، لكنها يمكن أن تكون أيضًا بداية جديدة لمستقبل أفضل إذا امتلكنا إرادة البناء.
لا ينبغي أن يكون هدفنا بعد الحرب مجرد إعادة السودان الذي كان، وإنما أن نبني السودان الذي ينبغي أن يكون؛ سودانًا أفضل في التعليم، والزراعة، والصناعة، والتقنية، والإدارة، والصحة، والبيئة والإنتاج.
فإعادة بناء المباني تحتاج إلى الإسمنت والحديد، أما إعادة بناء الوطن فتبدأ بالإنسان.
*ومن هنا يأتي التعليم.*
وهذا هو أحد الأسباب التي تجعلني أرى أن تجربة اليابان تستحق التأمل: كيف استطاعت أمة خرجت من واحدة من أكثر الحروب تدميرًا أن تحول الألم والخراب إلى طاقة للبناء والإنتاج والجودة؟
فكان ميلاد هذه السطور.
*عندما بزغ نجم اليابان… وبدأ العالم يبحث عن السر!؟*
عندما بزغ نجم اليابان في الإنتاج والجودة، ثم تصدرت منتجاتها كثيرًا من الأسواق العالمية، سبب ذلك قلقًا عظيمًا لكثير من دول العالم، وخصوصًا الدول التي كانت صناعاتها تتصدر من حيث الجودة، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
وكانت المشكلة الأكبر أنهم لم يصلوا بسهولة إلى معرفة كيف فعلت اليابان ذلك، وهي دولة محدودة الموارد الطبيعية.
ومن هنا بدأت حمى البحث عن أسباب النجاح الياباني، وامتلأت أرفف الجامعات بالبحوث والدراسات التي تحاول الإجابة عن سؤال:
*∆ كيف استطاعت اليابان أن تتقدم بهذا الشكل؟*
وكان السؤال يحمل قلقًا اقتصاديًا حقيقيًا، خصوصًا مع قدرة المنتجات اليابانية على الجمع بين الجودة والسعر والاعتمادية.
كانت سيارات تويوتا تتقدم بقوة، وأصبحت الإلكترونيات اليابانية رمزًا للجودة، ولم يعد التقدم الياباني يزعج الحكومات والشركات وحدها، بل أصبح المواطن البريطاني نفسه ينظر إلى اليابان ويتساءل:
لماذا وكيف تقدموا علينا، ونحن الإمبراطورية العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس؟
كما لم يغفلوا عن التقدم الألماني أيضًا.
لكن اليابان لم تبنِ تجربتها من فراغ.
فقد استفادت من علوم وأساليب حديثة، ومن بينها أفكار رواد الجودة، وعلى رأسهم الأمريكيون إدوارد ديمينغ، وجوزيف جوران، وفيليب كروسبي وغيرهم.
غير أن اليابانيين فعلوا شيئًا بالغ الأهمية:
لم يكتفوا باستيراد المعرفة، بل حولوها إلى ثقافة عمل وإدارة وإنتاج.
وهنا يكمن أحد أهم دروس اليابان:
الجودة ليست جهازًا في مصنع، ولا قسمًا إداريًا، ولا شهادة تعلق على الحائط… الجودة طريقة تفكير وحياة.
*ومن هنا بدأت علاقتي بعلم الجودة*
في خضم تلك الأحداث، تم الإعلان عن منح لدراسة ماجستير العلوم في الجودة في جامعة سالفورد في إنجلترا، وكانت هذه من المرات الأولى التي يصبح فيها لهذا التخصص مسار أكاديمي مستقل عن غيره، وعلمًا يُدرَّس في كليات متخصصة.
كانت المنحة محفزة وتشجيعية، وتشمل كل شيء تقريبًا، حتى فواتير الوقود للسيارة أسبوعيًا.
وتم تحديد مواصفات القبول بشكل صارم جدًا، إلى جانب اختيار متقدمين من قطاعات مهمة مثل وزارة الدفاع.
دخلت المعاينات والامتحانات، ومن ثم وفقني الله، وتم قبولي ضمن أولى الدفعات التي درست هذا التخصص الجديد حينها.
تعمقت فيه وأحببته، وتيقنت أنه ليس تخصصًا فقط، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره «أمًّا» لكثير من العلوم والمجالات.
ولم يصبح بالنسبة لي دراسة أو مجال عمل فحسب، وإنما أصبح فلسفة حياة.
ومن ثم تخصصت في «تكاليف الجودة».
وهنا أدركت أن مفهومنا للتكاليف كان ضيقًا؛ لأننا نربطها غالبًا بالقيمة المادية المباشرة، بينما هي ليست كذلك إطلاقًا.
فعندما نتحدث عن تكاليف الجودة في قطاعات مثل الصحة والتعليم، فإن الحساب المادي وحده لا يعبر عن الجودة في كل شيء.
وهنا أتذكر مقولة أثارت في نفسي الكثير من التساؤلات، نُسبت إلى وزير الصحة في عهد «الإنقاذ» بحر إدريس أبو قردة، الذي زاملنا في معهد الكليات التكنولوجية ودرس علوم السكرتارية:
«لماذا نصرف كثيرًا من المال على مرضى السرطان ونحن نعلم مصيرهم؟»
وبغض النظر عن سياق هذه العبارة أو دقة نسبتها، فإن السؤال نفسه يفتح بابًا مهمًا في فلسفة تكاليف الجودة:
هل نحسب تكلفة العلاج فقط، أم نحسب أيضًا تكلفة الوقاية؟
وهل نحسب ما ندفعه اليوم، أم نحسب أيضًا ما سندفعه غدًا؟
وهل نحسب تكلفة المرض، أم تكلفة البيئة التي قد تكون ساهمت في إنتاجه؟
*تكلفة الجودة ليست مالًا فقط:*
إن حساب تكلفة الجودة يتضمن كل شيء حاضرًا ومستقبلًا.
والعالم، في الفترة التي درست فيها الجودة وبعد تخرجي، كان تركيزه الأكبر على الجودة في الصناعة.
أما الجودة في الخدمات، فكان مفهومها لا يزال في بداياته، بينما كانت الجودة والبيئة أقرب إلى الترف في نظر كثيرين، ولم تكن تلفت انتباه الجميع.
وقد استغرب أحد أساتذتي في الجامعة عندما رأى اهتمامي بمؤلفات الياباني كاورو إيشيكاوا، خصوصًا اهتمامه بالجودة وعلاقتها بالغابات والتعدين ومصادر المياه.
فأخبرته أنني أرى أن رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم سبق العالم في ربط مفهوم الجودة وتكاليفها بالبيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بصاحبه سعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟»
قال: أفي الوضوء سرف؟
قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار».
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
(المُد هو ملء كفي الإنسان المعتدل، ويعادل اليوم تقريباً 540 ملليلتر، والصاع يعادل 4 أمداد أي حوالي 2.1 لتر).
كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر الزيادة على الغسلات الثلاث إساءة وتعديًا وظلمًا، حين قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم».
والرسالة هنا بالغة العمق: وفرة المورد لا تعني إباحة إهداره.
حتى النهر الجاري ليس مبررًا للإسراف.
*الماء… أول درس في الاستدامة:*
يقوم المنهج الإسلامي في التعامل مع المياه على مبدأ المحافظة على الموارد وعدم الإسراف.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾[المؤمنون: 18]
فالماء ينزل بقدر، وله وظيفة في حفظ الحياة، وزواله أمر يسير على الله.
وكذلك كل الموارد الطبيعية أمرنا الإسلام بالمحافظة عليها.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[هود: 61].
وفي معنى الآية أن الإنسان مكلف بإعمار الأرض والبناء فيها وغرس الأشجار والنباتات واستثمار مواردها على نحو نافع.
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».
والأجر هنا مستمر حتى بعد موت الزارع وانتقال ملكية الأرض إلى غيره.
كما حفزنا النبي صلى الله عليه وسلم. على الغرس حتى في آخر لحظات الدنيا، ووضع مبدأ استمرار العمل والأمل البيئي في أشد الظروف هولًا، فقال: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
حتى عندما توشك الدنيا على الانتهاء… ازرع.
أي فلسفة للأمل والعمل يمكن أن تكون أعمق من ذلك؟
*حماية البيئة ليست ترفًا:*
يذكر القرآن الكريم أن الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل من صور الفساد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
كما حذر المصطفى صلى الله عليه وسل من قطع الأشجار البرية التي ينتفع بها الناس والحيوانات، فقال: «من قطع سدرة صوّب الله رأسه في النار».
والمقصود، كما فسر العلماء، قطع أشجار الغابات والبراري عبثًا وظلمًا وبغير حق.
كما جعل الإسلام مكة والمدينة مناطق ذات حماية بيئية خاصة، يحرم فيها الاعتداء على النبات والصيد.
فقال صلى الله عليه وسلم
عن مكة: «لا يُعضد شوكه، ولا يُنفّر صيده».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة: «إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا»
وتتجلى عظمة هذا التشريع البيئي في أن حماية الأشجار والغابات لم تكن متوقفة على أوقات السلم، بل ظهرت حتى في أحلك الظروف، أي في الحرب. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي جيوشه: «اغزوا باسم الله في سبيل الله… ولا تقطعوا نخلًا ولا شجرة، ولا تهدموا بناءً».
وسار الخلفاء الراشدون على هذا النهج، ومن أشهر ذلك وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة بن زيد: «لا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تحرقوا نخلًا، ولا تعقروا شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة».
ومن الأقوال المأثورة التي أتوقف عندها كثيرًا ما نُسب إلى الإمام جعفر الصادق: «لا تقطعوا الثمار فيصب الله عليكم العذاب صبًا».
وعنه أيضًا «مكروه قطع النخل».
والمعنى الذي أراه هنا واضحًا: الحفاظ على الموارد جزء من الحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار البيئي.
*إذن… من سبق من؟*
إذن، أرى أن الإسلام كان سباقًا في وضع منظومة أخلاقية وتشريعية لحماية البيئة والموارد الطبيعية، رغم أن علماء الجودة ينسبون جانبًا مهمًا من تطوير مفاهيم الجودة والبيئة في العصر الحديث إلى إيشيكاوا الياباني وغيره.
ولا أريد هنا أن أخلط بين علم الجودة الحديث بأدواته وأساليبه ونظرياته، وبين القيم والمبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها الجودة.
فالعلم الحديث طور أدوات القياس والتحليل والتحسين، لكن قيم مثل الأمانة والإحسان والإتقان وعدم الغش وحفظ الموارد وإعمار الأرض ليست جديدة على الإسلام.
وهذا هو الفرق الذي يجب أن ننتبه إليه.
*بريطانيا… وغسل الأرز!*
هذا وقد لاحظت في هذا الشهر كثرة النشرات التي تصدرها الجهات الحكومية في بريطانيا، والتي تنادي بترشيد استهلاك المياه، لأن المنطقة تمر بظروف طبيعية قاسية، وسط مخاوف من الجفاف في ظل تقلبات المناخ في العالم، وما يمكن أن يكون لذلك من أثر مباشر على الأمن الغذائي.
والطريف أن تلك المنشورات تحدثت أيضًا عن ضرورة ترشيد الماء في الطبخ…وغسل الأرز!
قد يضحك البعض من الأمر.
أما أنا فتوقفت عنده.
لأن القضية ليست في حفنة أرز.
القضية هي:
هل تعلم الإنسان أن المورد له قيمة؟
هل يعرف أن الماء الذي نهدره اليوم قد نبحث عنه غدًا؟
وهنا تلتقي الجودة بالاستدامة.
*الجودة… إتقان وأمانة وإحسان:*
علم الجودة كانت اليابان رائدة في تطبيقه، ويقول الأمريكيون إن من أبرز رواده إدوارد ديمينغ وجوران وكروسبي، وهم أمريكيون، وإن لخبراتهم فضلًا كبيرًا في مسيرة الجودة اليابانية.
لكنني أريد للقارئ أن يتوقف عند هذه الآية الكريمة:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾[النمل: 88].
فالكون مبني على أعلى معايير الجودة والدقة، والإنسان مأمور بإعمار الأرض وإتقان ما يقوم به.
والجودة في الإسلام جاءت بعبارات ومسميات مختلفة، مثل:
الأمانة، والإحسان، والإتقان.
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195].
وقال جلا وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[النحل: 90].
والإحسان هو بذل غاية الجهد لتقديم العمل في أفضل صورة ممكنة.
كما ربط الإسلام الأجر بجودة العمل لا بكثرته.
فلم يربط القرآن الجزاء بمجرد العمل، بل بحسنه وجودته: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك: 2].
ولم يقل: «أكثر عملًا».
فالكمية لا تغني عن الجودة شيئًا.
*لا غش في الجودة:*
نقل الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم الجودة من الإطار النظري إلى السلوك اليومي، وربط العمل بالإتقان والإحسان.
ويُتداول حديث: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
ومع أن هذا اللفظ اشتهر في أدبيات الجودة، فإن نسبته الحديثية تحتاج إلى توثيق دقيق، ولذلك لا أرى أن من الحكمة أن نبني عليه وحده. يكفينا ما ثبت من القرآن والسنة في الحث على الإحسان والأمانة والعمل الصالح.
كما اعتبر الإسلام التلاعب بمعايير الجودة وخداع المستهلك خروجًا عن منهاج الأمة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».
وهنا تصبح الجودة قضية أخلاقية قبل أن تكون قضية إدارية.
*الجودة تبدأ من الرقابة الداخلية:*
ويقوم نظام ضبط الجودة في الإسلام على رقابة داخلية وخارجية تضمن عدم الغش أو التهاون.
الرقابة الذاتية: الضمير والتقوى
يربط الإسلام الجودة بالإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
العامل المتقن يعلم أن الله يراقبه قبل مدير العمل.
وهنا تتحول الجودة من تعليمات يراقبها المدير إلى قيمة يؤمن بها الإنسان.
الأمانة والمسؤولية
يعتبر التهاون في جودة المنتج أو الخدمة خيانة للأمانة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27].
الحسبة: الرقابة الخارجية
استحدثت الحضارة الإسلامية وظيفة المحتسب لمراقبة الأسواق ومنع الغش، وفحص المكاييل والموازين، وحماية حقوق المتعاملين.
وهو جانب يمكن مقارنته، من حيث الوظيفة العامة، ببعض أدوار هيئات المواصفات والمقاييس وحماية المستهلك في العصر الحديث.
*الجودة في الإسلام… مشروع يحتاج إلى دراسة:*
حقيقة، إن الكتابة عن الجودة في الإسلام تحتاج إلى توثيق وكتاب مستقل، أفكر في إعداده، مع التركيز على البيئة والموارد الطبيعية وحمايتها.
وأتمنى أن نرى مؤلفات تتطرق إلى علاقة الإسلام بعلوم الإدارة والجودة والاقتصاد والإنتاج والبيئة؛ لأن العالم استغرق زمنًا طويلًا للوصول إلى حقائق علمية ومبادئ إدارية كانت، ولا تزال، في جوانب كثيرة منها، تحت نظرنا وبأيدينا.
*من الجودة إلى الإنسان… ومن الإنسان إلى العمل:*
لقد كانت بدايات دراستي الجامعية في المحاسبة، وسرعان ما هربت منها إلى الإدارة، ومن ثم إلى العلوم السياسية، ولكني وجدت نفسي في علوم الجودة التي أعتبرها «أمًّا» لكثير من العلوم وفي مختلف المجالات.
وعند دراستي لحدائق الإدارة الغناء، وجدت أن كثيرًا من تعاليم الإسلام التي كان أبي — رضي الله عنه وغفر له وجعل الفردوس منزله ومثواه — ينير بها طريقنا ويطبقها في بيتنا، هي من صلب كثير من مبادئ الإدارة الحديثة.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
وهذا ليس فقط توجيهًا نبويًا بليغًا يمثل ركيزة للعدالة الاجتماعية وحقوق العمال في الإسلام، بل هو مبدأ أخلاقي يمنع استغلال حاجة العامل أو المماطلة في تسليمه مستحقاته، ويسهم في تحقيق الاستقرار داخل أي مؤسسة.
فكيف نطلب الجودة من إنسان نظلمه؟
الجودة تبدأ من احترام الإنسان.
*من العمل إلى الإنتاج:*
وهنا أصل إلى الفكرة التي أريد أن أتوقف عندها طويلًا.
فعلوم الإدارة بكافة فروعها تجد عوامل وأسباب نجاحها في منظومة العمل والانضباط والأمانة والإحسان.
وأذكر بني وطني بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
وهذا يعني أن الإنسان مكلف بإعمار الأرض بالبناء والزراعة والإنتاج وتطوير مواردها.
والقرآن الكريم يقرر قانونًا كونيًا واضحًا: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40].
كما أشار القرآن إلى من يضربون في الأرض طلبًا للرزق، فقال تعالى:
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20].
أي أن السعي في الأرض وطلب الرزق والإنتاج عمل له مكانته.
والإسلام لا يعرف البطالة المقنعة باسم التفرغ للعبادة؛ فبمجرد انتهاء العبادة يأمر القرآن بالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾[الجمعة: 10].
وقد ذم القرآن الكريم القعود عن الإنتاج والاعتماد على صدقات الآخرين ومساعداتهم طالما كان الإنسان قادرًا على العمل، لأن العمل يحفظ كرامة الإنسان واستقلاله.
*ليس كل أبنائنا أطباء وضباطًا ومحامين:*
وهنا أصل إلى قضية تؤلمني كثيرًا في واقعنا السوداني.
نحن نحتاج إلى أن نعيد تعريف قيمة العمل والمهنة في مجتمعنا.
في كثير من البيوت السودانية، إذا سألت الأب عن مستقبل ابنه، فغالبًا ما يتمنى أن يكون طبيبًا أو ضابطًا أو مهندسًا أو محاميًا.
ولا مشكلة في هذه المهن بالطبع؛ فالوطن يحتاج الطبيب والضابط والمهندس والمحامي.
لكن هل يستطيع الوطن أن يعيش بهم وحدهم؟
من سيبني البيت؟
من سيصلح السيارة؟
من سيصلح الآلات الزراعية؟
من يشغل المصنع؟
من يزرع الأرض؟
من يدير المزرعة؟
من يقوم بأعمال اللحام والحدادة والنجارة والسباكة والكهرباء والميكانيكا؟
من يشغل المعدات والآلات الحديثة؟
من يصنع قطع الغيار؟
من يحول المنتجات الزراعية إلى صناعات غذائية؟
من يحافظ على شبكات المياه والطاقة والصرف الصحي؟
إنها قائمة طويلة من المهن والحرف والتخصصات التي لا تقوم الحياة بدونها.
ومع ذلك، ما زلنا في كثير من الأحيان نتعامل معها وكأنها أعمال أقل شأنًا، وكأن قيمة الإنسان تقاس بلقب مهني أو اجتماعي.
وهذه واحدة من أخطر الأخطاء التي يجب أن يصححها التعليم.
*الأنبياء لم يكونوا عاطلين عن العمل:*
ولكي يقطع القرآن الطريق على من يترفع عن العمل أو يستصغر بعض المهن، ضرب لنا أمثلة بالأنبياء والرسل، وهم صفوة الخلق، كقادة في الإنتاج والعمل المهني.
سيدنا داود — صناعة الحديد والمعادن:
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾[الأنبياء: 80].
وقال أيضًا: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾
[سبأ: 10-11].
وسيدنا نوح — صناعة السفن:
قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37].
وسيدنا موسى — العمل المأجور:
عمل أجيرًا في مدين، قال تعالى على لسان صاحب مدين:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].
إذن العمل المهني والحرفي ليس أمرًا هامشيًا في التصور الإسلامي.
بل إن القرآن يقدم لنا الأنبياء أنفسهم وهم يعملون وينتجون ويصنعون.
فلماذا نستحي نحن من المهنة؟
الوطن لا يبنى بالمسميات… بل بتكامل الأدوار:
نحن بحاجة إلى ثورة في نظرتنا إلى التعليم والعمل.
ليس المطلوب أن يكون كل طفل طبيبًا.
وليس مطلوبًا أن يكون كل شاب ضابطًا.
وليس مطلوبًا أن يكون الجميع محامين أو مهندسين.
الوطن يحتاج الجميع.
يحتاج الطبيب، لكنه يحتاج معه فني المختبر وفني الأشعة وفني الأجهزة الطبية والممرض والصيدلي والإداري وعامل النظافة.
ويحتاج المهندس، لكنه يحتاج معه الفني والحرفي والعامل الماهر.
ويحتاج المهندس الزراعي، لكنه يحتاج كذلك إلى المزارع الذي يعرف الأرض ويزرعها.
ويحتاج المصنع إلى المدير والمحاسب والمهندس، لكنه يحتاج أيضًا إلى العامل الذي يشغل الآلة ويعرف تفاصيلها بيديه.
ويحتاج البناء إلى المهندس، لكنه لا يقوم من دون البنّاء والنجار والحداد والكهربائي والسباك.
كل حلقة في سلسلة الإنتاج لها قيمتها.
والدولة التي تحتقر العمل اليدوي ستدفع ثمن ذلك باستيراد المهارات التي كان يمكن أن تصنعها وتبنيها داخل وطنها.
نريد أن يصبح الحرفي فخورًا بمهنته:
أريد أن نصل إلى اليوم الذي يقول فيه الأب لابنه:
إذا أحببت الطب، فكن طبيبًا.
وإذا أحببت الهندسة، فكن مهندسًا.
وإذا أحببت الزراعة، فكن مزارعًا محترفًا.
وإذا أحببت النجارة، فكن نجارًا مبدعًا.
وإذا أحببت الميكانيكا، فكن فنيًا محترفًا.
وإذا أحببت الكهرباء، فأتقنها.
وإذا أحببت البرمجة، فابتكر فيها.
المشكلة ليست في المهنة.
المشكلة في أن يمارس الإنسان مهنة لا يحبها، أو أن ينظر المجتمع إلى مهنة شريفة باعتبارها أقل قيمة من غيرها.
نحن نحتاج إلى أن يصبح الإتقان هو معيار التقدير، لا اسم المهنة.
فحرفي ماهر يتقن عمله ويكسب رزقه بالحلال ويخلق قيمة للمجتمع، أفضل من صاحب لقب كبير لا يتقن عمله ولا يؤدي أمانته.
وهنا تعود بنا الفكرة إلى الجودة:
ليست العبرة بما يسمى الإنسان، وإنما بما يقدمه.
*التعليم الأخضر… من الشهادة إلى المهارة*
وهنا نصل إلى واحدة من أهم القضايا التي دفعتني أصلًا إلى التفكير في «التعليم الأخضر».
نحن لا نريد تعليمًا يدفع جميع أبنائنا نحو مكتب حكومي وشهادة جامعية فقط.
نريد تعليمًا يكتشف مواهب الإنسان وميوله وقدراته، ويفتح أمامه طرقًا متعددة للنجاح.
نريد التعليم الأكاديمي، نعم.
لكننا نريد معه التعليم الفني والتقني والصناعي والزراعي والمهني والحرفي والإبداعي.
نريد أن يصبح التعليم الفني والتقني مسارًا محترمًا ومطلوبًا، لا مسارًا يُدفع إليه من لم ينجح في التعليم الأكاديمي.
نريد مدارس ومؤسسات تدريب تخرج فنيين وصناعًا ومزارعين محترفين وحرفيين وتقنيين قادرين على التعامل مع الآلات والتكنولوجيا الحديثة، وعلى تطويرها وصيانتها وتصنيعها.
نريد أن يتعلم أبناؤنا الزراعة لا باعتبارها مهنة للفقراء، وإنما باعتبارها علمًا وصناعة وأمنًا غذائيًا وسيادة وطنية.
نريد أن يتعلموا الصناعة، والتصنيع الغذائي، وصيانة الآلات، والطاقة، والمياه، والبناء، والنجارة، والحدادة، والكهرباء، والميكانيكا، والبرمجة، وكل مهارة يحتاجها اقتصاد حديث منتج.
نريد أن يتخرج الشاب وهو قادر على أن يعمل أو يوظف أو يؤسس مشروعًا أو يبتكر أو يصنع.
فقد لا يكون أعظم إنجاز لشاب سوداني أن يحصل على وظيفة، وإنما أن يستطيع أن يصنع لنفسه ولغيره فرص عمل.
وهنا ننتقل من: ثقافة الوظيفة → إلى ثقافة العمل.
ومن: ثقافة الشهادة → إلى ثقافة المهارة.
ومن: ثقافة الاستهلاك → إلى ثقافة الإنتاج.
ومن: احتقار المهنة → إلى احترام الإتقان.
ومن: التعليم الذي يفرز الناس إلى ناجح وفاشل → إلى تعليم يكتشف موهبة كل إنسان ويضعها في المكان الذي يستطيع أن يبدع فيه.
*السودان يحتاج الجميع*
السودان الذي نريده لا يمكن أن يبنيه الأطباء وحدهم، ولا المهندسون وحدهم، ولا الضباط وحدهم، ولا السياسيون وحدهم.
يبنيه الجميع: سوا بنقدر
يبنيه الطبيب والمزارع.
المهندس والحرفي.
المعلم والفني.
الصانع والتاجر.
المبرمج والنجار.
الباحث والعامل.
المرأة والرجل.
الشاب والكبير.
كل إنسان يضع مهارته في خدمة المجتمع.
وهنا يصبح شعارنا أكثر من مجرد كلمات:
ما يخصني لن يكون بدوني.
فإذا كان مستقبل السودان يخصنا جميعًا، فإن بناءه أيضًا مسؤولية الجميع.
ولذلك فإن السودان الذي نبنيه معًا يجب أن يكون بلدًا يقدر كل عمل شريف، ويحترم كل مهنة، ويكافئ الإتقان، ويفتح الطريق أمام كل إنسان ليكتشف موهبته ويحولها إلى قيمة وإنتاج.
فالسودان لا يحتاج نسخًا متشابهة من أبنائه…
السودان يحتاج تكامل مواهبهم.
*من شعب الإعانات إلى شعب الإنتاج*
أعود هنا إلى الفكرة التي أراها جوهرية في مستقبل بلادنا.
لا يمكن أن نبني السودان على انتظار المساعدات.
ولا يمكن أن تكون الإعانة نمط حياة.
الإعانة قد تنقذ الإنسان في لحظة، لكنها لا تبني اقتصادًا.
أما الإنتاج فيبني الكرامة والاستقلالية والسيادة.
والعمل يبني الخبرة.
والإبداع يبني القيمة.
والجودة تبني القدرة على المنافسة.
والإنتاج هو الطريق إلى الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال الاقتصادي هو أحد أهم أسس استقلال القرار الوطني.
ولهذا فإنني أرى أن السودان يحتاج إلى انتقال عميق:
من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج.
من انتظار الوظيفة إلى صناعة العمل.
من التعليم الذي يمنح الشهادة إلى التعليم الذي يبني القدرة.
من الكم إلى الكيف.
ومن الإنسان المتلقي إلى الإنسان المنتج المبدع المسؤول.
وهذا هو جوهر ما أحاول التعبير عنه في رؤية «التعليم الأخضر»:
أن نبني إنسانًا قادرًا على أن يعمر الأرض، لا أن يعيش عليها مستهلكًا فقط.
فالذي يمتلك قوته يمتلك جزءًا كبيرًا من قراره، والذي ينتج غذاءه ويحمي موارده ويبني اقتصاده، يخطو خطوة حقيقية نحو السيادة والاستقلال.
امتلك قوتك… تمتلك قرارك.
وهكذا لا يكون هدفنا أن نخرج من ثقافة الإعانة فقط، وإنما أن ننتقل إلى ثقافة العمل والإنتاج والاعتماد على الذات؛ ثقافة تجعل السودان منتجًا لقوته، مستثمرًا في موارده، وبانيًا لقدراته، وقادرًا على صناعة مستقبله بيده.
#سوا_بنقدر
*يا أهل وطني… أنتجوا!*
يا أهل وطني…
لا أكتب هذه السطور لأقول لكم إن اليابان أفضل منا.
ولا لأقول إن الغرب اكتشف كل شيء ونحن لم نكتشف شيئًا.
بل أقول شيئًا أبسط وأعمق:
لدينا ما نبني به، إذا عرفنا كيف نقرأ ما لدينا، وكيف نحوله إلى علم وعمل ونظام.
لدينا دين يكرّم العمل.
ولدينا أرض خصبة.
ولدينا مياه وموارد طبيعية هائلة.
ولدينا شباب.
ولدينا عقول.
ولدينا تاريخ طويل من الزراعة والصناعة والتجارة والحرف.
ونحن لسنا شعبًا يبدأ من الصفر.
فنحن على أرض واحدة من أعرق مواطن الحضارات الإنسانية، أرض عرفت الزراعة والصناعة والتجارة والحرف والإنتاج منذ آلاف السنين، وكانت في مراحل من تاريخها أرضًا يقصدها الناس ويتفاعلون معها في العلم والتجارة والحرف والثقافة.
فلماذا لا نستعيد ذلك الإرث، لا بالعيش في الماضي، وإنما ببناء مستقبل أفضل منه؟
لماذا لا نعود أفضل مما كنا؟
لكن الموارد وحدها لا تصنع النهضة.
الإنسان هو الذي يصنعها.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع الفقر
إنها مع ثقافة الفقر.
وليست فقط مع البطالة.
إنها مع ثقافة انتظار الوظيفة.
وليست فقط مع ضعف الإنتاج.
إنها مع ثقافة الاستهلاك والاتكال.
وليست فقط مع تدهور البيئة.
إنها مع ثقافة النظر إلى الموارد باعتبارها شيئًا مجانيًا لا ينفد.
ولذلك أعود إلى الآية التي أراها تلخص رسالتنا:
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
لقد كُلفنا بالإعمار.
والإعمار يحتاج إلى علم.
والعلم يحتاج إلى تعليم.
والتعليم يحتاج إلى إنسان.
والإنسان يحتاج إلى قيم.
والقيم تتحول إلى إنتاج.
والإنتاج يحتاج إلى جودة.
والجودة تحتاج إلى أمانة.
والأمانة تحتاج إلى ضمير.
وهكذا تبدأ النهضة من الإنسان… وتنتهي بإعمار الوطن.
فيا أهل وطني: علّموا أبناءكم الرزق الحلال.
علّموهم قيمة العمل.
علّموهم الزراعة والصناعة والحرفة والإبداع.
علّموهم أن الماء ليس مجانيًا، وأن الشجرة ليست حطبًا فقط، وأن الأرض ليست سلعة تُستنزف ثم تُترك.
علّموهم أن الجودة ليست شهادة على الحائط.
الجودة سلوك.
والإنتاج ليس وظيفة.
الإنتاج كرامة.
والزراعة ليست مهنة متواضعة.
الزراعة أمنٌ وغذاءٌ وسيادة.
والحرفة ليست عملًا من الدرجة الثانية.
الحرفة علمٌ ومهارةٌ وإنتاج.
والتعليم الفني والتقني والصناعي والزراعي والمهني ليس بديلًا للفشل في التعليم الأكاديمي.
إنه طريق آخر للنجاح، وقد يكون هو الطريق الذي يحتاجه اقتصاد السودان أكثر من أي وقت مضى.
والحفاظ على البيئة ليس ترفًا.
إنه حفاظ على مستقبل أبنائنا.
والوطن لا يحتاج أن يكون كل أبنائه أطباء وضباطًا ومحامين.
الوطن يحتاج الجميع.
يحتاج الطبيب، والمزارع، والمهندس، والفني، والمعلم، والصانع، والحرفي، والتاجر، والمبرمج، والعامل، والباحث، وكل إنسان يستطيع أن يضيف قيمة.
فلا تسألوا أبناءكم فقط: ماذا تريد أن تصبح؟
بل اسألوهم أيضًا: ماذا تحب أن تتعلم؟
وماذا تستطيع أن تتقن؟
وماذا تستطيع أن تضيف إلى وطنك؟ح
وأخيرًا…
الإنتاج سعادة، والعمل عبادة، والإتقان أمانة، وإعمار الأرض مسؤولية.
فلننتقل بالسودان:
من شعب الإعانات… إلى شعب الإنتاج.
ومن شعب الاستهلاك… إلى شعب الإبداع.
ومن وطن ينتظر الحلول… إلى وطن يصنع الحلول.
ومن مجتمع يحتقر بعض المهن… إلى مجتمع يقدّر كل عمل شريف ويكافئ الإتقان.
ومن تعليم يوزع الشهادات… إلى تعليم يبني الإنسان والمهارة والإنتاج.
ومعًا نحو التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر.
عبر الطريق الثالث الأخضر.
وسوا بنقدر…
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
خادم حركة السودان الأخضر المحب للسودان وشعبه



