الأعمدة

حين يُصبح الارتجال سياسةً.. والمواطن وقوداً”


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
لا تحتاج إلى أن تُفتّش طويلاً في سجل حكومة الأمر الواقع لتجد ما يُثبت عجزها، يكفيك أن تراقب قراراتها المتضاربة التي تصدر في عجلة وتُرفع في عجلة، بينما يبقى المواطن السوداني وحده يلملم شتات ما خلّفته تلك القرارات من خسائر وأوجاع.
“قرار بلا دراسة.. وتراجع بلا اعتذار”
أصدرت الحكومة قراراً بحظر السلع وتعليق الاستيراد والشحن، ثم لم تمضِ أيام حتى تراجعت عنه ورفعته كأن شيئاً لم يكن. لم يصدر بيان يشرح الأسباب، ولم يُقدَّم اعتذار لمن تضرروا، ولم تُتخذ أي خطوة لتعويض من وقعت عليهم تبعات ذلك القرار الأرعن. مجرد صمت مطبق، كأن الأمر لا يعدو كونه تمريناً إدارياً لا يستحق الوقوف عنده.
غير أن المواطن السوداني يعرف جيداً أن هذا الصمت مكلف، وأن كل قرار يصدر بهذه العجالة ثم يُرفع بهذه السهولة يعني في الواقع المعاش: أسعاراً ترتفع، وبضائع تتوقف، وصفقات تتعطل، وأرزاق تتبخر.
“المواطن.. أول من يدفع وآخر من يُسأل”
بين لحظة إصدار القرار ولحظة رفعه، لا تتوقف الخسائر ولا تنتظر. التاجر الذي ألغى شحنته، والمستورد الذي علّق عقوده، والمواطن الذي وجد السلعة قد اختفت من الرف أو تضاعف سعرها، كل هؤلاء دفعوا ثمن قرار لم يُدرس ولم يُحسب له حساب. والأشد مرارةً أن التراجع عن القرار لا يُعيد ما ضاع، ولا يُعوّض ما خسر، فالضرر يقع فورياً فيما يتأخر التعافي منه طويلاً إن تعافى أصلاً.
هذا هو الواقع المرير لمواطن يعيش في ظل حكومة تتخذ قراراتها المصيرية بالارتجال ذاته الذي تتراجع به عنها، دون أن يخطر لها أن ثمة بشراً حقيقيين يتأثرون بكل كلمة تصدر عنها.
“فشل مُزمن لا يداريه التراجع”
المشكلة الجوهرية ليست في هذا القرار وحده، بل فيما يكشفه من حالة مزمنة من الفشل والعجز. حكومة تملك رؤية اقتصادية واضحة لا تحتاج إلى أن تتراجع بعد أيام عن قراراتها، أما حكومة لا رؤية لها ولا برنامج يُعتد به، فإن قراراتها المتضاربة ستظل شاهداً حياً على إفلاسها السياسي والإداري.
وما يزيد الأمر إيلاماً أن هذا ليس استثناءً في مسيرة هذه الحكومة، بل هو نهج راسخ وأسلوب متكرر، ارتجال يليه تراجع، وتراجع يتبعه ارتجال آخر، في حلقة مفرغة لا تنتج سوى مزيد من التآكل في ثقة المواطن وقدرته على الصمود.
“لا أمل يُرجى”
قيل إنها حكومة أمل، لكن الأمل لا يُبنى على قرارات تتهاوى قبل أن يجف حبرها. الأمل الحقيقي يحتاج إلى كفاءة، ويحتاج إلى رؤية، ويحتاج إلى حكومة تُدرك أن ما تصدره من قرارات ليس مجرد أوراق رسمية، بل هو مصائر ناس وأرزاق أسر ومستقبل وطن.
السودان اليوم لا يتحمل مزيداً من هذا العبث، ومواطنه المنهك لم يعد قادراً على دفع فاتورة الفشل مرة بعد مرة. ولعل أقل ما يُقال في حكومة تتلاعب بأرزاق الناس بهذه الصورة، أنها لا تستحق أن يُعلَّق عليها أمل.

زر الذهاب إلى الأعلى