تقارير

النوبة يحتفلون باليوم العالمي للشعوب الأصيلة ويطرحون قضايا الحقوق والإنصاف..

النقارة والكمبلا والمصارعة.. جبال النوبة ترسم لوحة التنوع في قلب الخرطوم

تبرع بقطعة أرض لمقر المجلس.. مشاركة والي الخرطوم تفتح باباً للحوار..

(السلام ما ورق).. رسالة من ميدان النوبة للاستماع إلى الناس ومعالجة جذور الأزمات..

من الاحتفال بالتراث إلى المطالبة بالحقوق.. النوبة يضعون الإنصاف والتمثيل في صدارة الأجندة..

تيسو ون

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

 

في لوحة ثقافية ووطنية احتشدت بالألوان والإيقاعات الشعبية ورسائل السلام، احتفل مجلس عموم النوبة بالسودان، باليوم العالمي للشعوب الأصيلة للعام 2026م، في ميدان النوبة بشرق النيل، تحت شعار: (أصالتي هويتي.. موطني سبب استهدافي وقهري)، وسط حضور رسمي وشعبي كبير تقدمه والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة، إلى جانب قيادات تنفيذية وسياسية وقانونية وإعلامية وأهلية، وزيّنت فرقُ الفنون والفلكلور والتراث والمصارعة الشعبية، الاحتفالية وألبستها ثوباً قشيباً من التراث والثقافة (النوباوية) الضاربة في جذور العراقة والتأريخ، إذ لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة لاستعراض الموروث الثقافي لشعب جبال النوبة، بل حمل رسائل متعددة، تراوحت بين الاعتزاز بالهوية والدعوة إلى السلام والتعايش، وفتح قنوات الحوار مع مؤسسات الدولة، وصولاً إلى طرح مطالب تتصل بالحقوق والتمثيل والإنصاف والحفاظ على اللغات والثقافات المحلية.

اعتراف بالشعوب الأصيلة:

ويحتفل العالم سنوياً في التاسع من أغسطس باليوم العالمي للشعوب الأصيلة، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر من العام 1994م، بهدف تعزيز الوعي بقضايا الشعوب الأصلية وحقوقها، والاعتراف بإسهاماتها الحضارية والثقافية، والعمل على حماية لغاتها وتراثها وخصوصياتها الثقافية، وتكتسب المناسبة أهمية خاصة بالنسبة للمجتمعات التي ظلت تسعى إلى الحفاظ على موروثها وهويتها في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية والصراعات، إذ تمثل فرصة لتأكيد أن التنوع الثقافي ليس عبئاً على الأوطان، وإنما مصدر من مصادر قوتها وثرائها، ومن هذا المنطلق، جاء احتفال مجلس عموم النوبة ليضع خصوصية تجربة شعب النوبة في قلب هذه المناسبة العالمية، مستدعياً تاريخاً طويلاً من الموروث الثقافي والارتباط بالأرض، ومقدماً الهوية بوصفها جسراً للحوار والتعايش، لا سبباً للفرقة والانقسام.

أصالتي هويتي:

 

في ميدان النوبة بشرق النيل، عاد تراث جبال النوبة إلى قلب الخرطوم، حيث حضرت جبال بكل ألوانها وتفاصيلها؛ معارض للمنتجات والمأكولات والإكسسوارات والكتب، وعروض للرقصات الشعبية، وإيقاعات النقارة، وفنون الكمبلا والبخسة والسبر، إلى جانب عروض المصارعة التقليدية التي تمثل واحداً من أبرز الملامح الثقافية المرتبطة بمجتمعات جبال النوبة، لقد كان المشهد، في مجمله، أقرب إلى لوحة تعكس التنوع الكبير الذي يميز المنطقة وتعدد مكوناتها، في وقت حاولت فيه الاحتفالية أن تؤكد قدرة الثقافة على مقاومة آثار الحرب، وإعادة إنتاج الأمل والحياة وسط ظروف قاسية عاشها السودان خلال السنوات الماضية، لينفض النوبة غبار الحرب والدمار ويعلنوا عن أنفسهم بتنظيم هذا الاحتفال الذي حمل رسالةً واضحة مفادها: أن الشعوب التي تتمسك بجذورها قادرة أيضاً على التطلع إلى المستقبل، وأن الحفاظ على التراث لا يعني الوقوف عند الماضي، بل توريث قيمه للأجيال الجديدة وحمايته من الاندثار.

والي الخرطوم بين النوبة:

واكتسبت مشاركة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة دلالات خاصة، لا سيما أنها جاءت في احتفال جماهيري نظمته إحدى أكبر المكونات الاجتماعية والثقافية حضوراً في ولايته، فانتهز حمزة الفرصة ليؤكد أن النوبة شعب أصيل لا خلاف على أصالته، مشيداً بإسهامات أبناء جبال النوبة في مختلف مراحل تاريخ السودان، وبأدوارهم خلال معركة الكرامة الوطنية، مشيراً إلى حضورهم في جبهات القتال بالخرطوم وفي مناطق جبال النوبة، وأكد الوالي استعداده لرفع المطالب التي تتصل بالحكومة الاتحادية إلى الجهات المختصة، كما تطرق إلى قضايا السكن العشوائي، موضحاً أن عمليات الإزالة ترتبط بالمعالجة والتخطيط وتوفير الخدمات، بيد أن أبرز ما حملته المشاركة كان تبرع والي الخرطوم بقطعة أرض لإقامة مقر لمجلس عموم النوبة، وهي خطوة يمكن النظر إليها باعتبارها دعماً مؤسسياً للمجلس، وإشارة عملية إلى أهمية التواصل بين المكونات المجتمعية ومؤسسات الحكم، وتفتح مشاركة والي الخرطوم النوبة احتفالهم باليوم العالمي للشعوب الاصيلة، الباب أمام مرحلة أوسع من الحوار بين مكونات النوبة المختلفة والحكومة، بما يتيح مناقشة القضايا والمطالب عبر قنوات مباشرة، بعيداً عن القطيعة أو سوء الفهم، وبما يعزز مشاركة المجتمعات في معالجة قضاياها.

السلام ما ورق:
احتفالية النوبة باليوم العالمي للشعوبة الأصيلة كان بمثابة منصةٍ خاصة لحضور رسائل السلام بقوة من خلال كلمات المتحدثين وفقرات الاحتفال، وقالت الأمين العام للمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي (نتلينا يعقوب) إن المناسبة تعني الكثير لشعب النوبة، مؤكدة أهمية الوحدة والتماسك وتقديم صورة مختلفة تعكس القدرة على التغيير والتقدم، ولخصت يعقوب حديثها عن السلام بعبارة لافتة: (السلام ما ورق)، في إشارة إلى أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد الاتفاقات والوثائق، وإنما يبدأ بالاستماع إلى الناس ومعرفة ما يريدونه ومعالجة أسباب النزاعات ومخاوف المجتمعات، هذا ولم تكن الرقصات الشعبية وإيقاعات النقارة مجرد فقرات للترفيه، بل بدت كأنها لغة أخرى للحديث عن الحياة والتعايش، فالثقافة، في مثل هذه الظروف، تتحول إلى وسيلة لترميم الوجدان الجمعي، والفن يصبح مساحة يمكن أن تلتقي فيها المجتمعات المختلفة بعيداً عن لغة الحرب والكراهية، وقدمت الاحتفالية نموذجاً عملياً لفكرة التنوع الذي يمكن أن يجمع السودانيين، لا أن يفرقهم، وهي رسالة تكتسب أهمية مضاعفة في بلد أنهكته الحرب وترك الانقسام آثاراً عميقة على نسيجه الاجتماعي.

مطالب الإنصاف:
وإلى جانب الأغنيات والرقصات والاحتفاء بالتراث، حملت المناسبة جانباً مطلبياً واضحاً، فقد قدم رئيس اللجنة العليا للمهرجان عبد القادر دربان والأمين العام لمجلس عموم النوبة شريف حسين كافي جملة من القضايا التي يرون أنها تمثل أولويات للمجتمعات النوباوية، وتضمنت المطالب المشاركة في المواقع التنفيذية والتشريعية، وضمان التمثيل العادل، وإنصاف النوبة تقديراً لما قدموه للسودان، إلى جانب فتح المجال أمام تدريس اللغات المحلية في المدارس والجامعات، ورد الحقوق المنتهكة، وتحقيق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما طُرحت قضايا مرتبطة بالسكن، بينها وقف هدم المنازل قبل إيجاد البدائل المناسبة، فضلاً عن الدعوة إلى مراجعة بعض القوانين والإجراءات التي يرى المجلس أنها أضرت بأبناء النوبة، وهنا تتضح الرسالة الأعمق للاحتفال؛ فالاحتفاء بالهوية لا ينفصل عن المطالبة بالحقوق، إذ لا يكفي أن يُعترف بالموروث الثقافي في المناسبات، بينما تبقى قضايا المشاركة والعدالة واللغة والتنمية معلقة.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فمن أصالة الماضي إلى مستقبل السلام، كان ميدان النوبة بشرق النيل منصةً حملت أصداء جبال النوبة البعيدة، وكان احتفال النوبة باليوم العالمي للشعوب الأصيلة بمثابة رسالةٍ واضحة مفادها: أن الشعوب لا تحيا بالذكريات وحدها، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من مستقبل، فالنوبة الذين احتفلوا بأزيائهم وفنونهم ومصارعتهم وإيقاعاتهم الشعبية، أكدوا في الوقت نفسه رغبتهم في السلام والعيش الكريم والمشاركة العادلة في بناء السودان، وكان حضور والي الخرطوم وتفاعله مع المناسبة، وما أعلنه من دعم لإقامة مقر للمجلس، مؤشراً على إمكانية تحويل مثل هذه المناسبات الثقافية إلى منصات للحوار والتقارب بين المجتمعات والحكومة، وجاء شعار الاحتفال (أصالتي هويتي.. موطني سبب استهدافي وقهري)، ليقول: إن الهوية التي صمدت أمام القهر والحروب قادرة على أن تكون جسراً للسلام، وإن التنوع الذي يحتفل به السودانيون اليوم قد يكون واحداً من أهم مفاتيح بناء وطن أكثر عدلاً وتماسكاً في الغد، وإن غداً انتظره قريب.

زر الذهاب إلى الأعلى