الأخبار
أخر الأخبار

مسعد بولس والدول الداعمة للحرب.. إذا كنت تعرف من يمدّ الحرب بالسلاح فأين دورك في إيقافه؟

مسعد بولس والدول الداعمة للحرب: إذا كنت تعرف من يمدّ الحرب بالسلاح، فأين دورك في إيقافه؟
بقلم: عباس العشاري

مقال يناقش تصريحات مسعد بولس بشأن الدعم الخارجي للحرب في السودان، ويتساءل عن دور واشنطن في وقف إمدادات السلاح والضغط على الدول الداعمة، وفاعلية جهود السلام الدولية.
حين يقول مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، إن استمرار الدعم العسكري والسياسي لطرفي الحرب في السودان يطيل أمد النزاع ويعرقل الوصول إلى تسوية، فان السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من يدعم الحرب؟ وإنما أيضاً: ماذا فعلت الولايات المتحدة، وماذا فعلت انت يا بولس تحديداً، لوقف هذا الدعم؟
بولس قال إن واشنطن على تواصل مستمر مع الدول التي تقدم دعماً لأطراف النزاع، في السودان وإن استمرار الدعم العسكري «مؤسف جداً». لكنه لم يقدم للرأي العام السوداني، في حديثه المشار إليه، كشفاً واضحاً ومتكاملاً بأسماء كل الدول التي يقصدها، ولا طبيعة ما طلبته واشنطن منها، ولا ما إذا كانت هذه الدول قد قدمت تعهدات واضحة بوقف الدعم أو ما هي الإجراءات التي ستتخذها واشنطن إذا استمر هذا الدعم.
و من هنا تبدأ اسئلتي الحقيقية.ليك
يا مسعد بولس، من هي الدول التي تتحدث عنها؟
إذا كانت الإدارة الأمريكية تعرف الدول التي تمد طرفي الحرب بالسلاح والمال والدعم السياسي، فمن حق السودانيين أن يعرفوا: من هي هذه الدول؟ وما نوع الدعم الذي تقدمه؟ وهل هو دعم حكومي رسمي أم دعم عبر شبكات وشركات ووسطاء؟ وهل قدمت واشنطن احتجاجات رسمية إليها؟ وهل طلبت منها وقف الإمدادات؟ وماذا كان ردها؟
الأمر لا يتعلق بتفصيل دبلوماسي ثانوي. فالحرب السودانية دخلت عامها الرابع، بينما يؤكد بولس نفسه أن الدعم الخارجي أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الوصول إلى الحل أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، تشير تصريحات سودانية وتقارير دولية إلى وجود اتهامات بتدخلات خارجية متعددة، مع اختلاف كبير حول طبيعة وحجم مسؤولية كل دولة.
هل مجرد التواصل يكفي؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا يعني «التواصل»؟
هل هو مجرد اتصالات هاتفية ولقاءات دبلوماسية؟ أم أن هناك مطالب أمريكية محددة؟ هل قالت واشنطن لهذه الدول: أوقفوا السلاح فوراً؟ هل وضعت مهلة زمنية؟ هل هددت بعقوبات؟ هل استخدمت الولايات المتحدة نفوذها الاقتصادي والسياسي والأمني لإجبار داعمي الحرب على التراجع؟
لأن المشكلة في السودان لم تعد في نقص البيانات أو نقص المؤتمرات أو كثرة المبادرات. المشكلة أن السلاح ما زال يصل، والحرب مستمرة، والمدنيون هم الذين يدفعون الثمن.
وبولس نفسه قال إن استمرار الدعم العسكري «مؤسف جداً». لكن إذا كان الأمر مؤسفاً بالنسبة إلى واشنطن، فهو بالنسبة إلى السودانيين موت وتهجير ودمار وانهيار دولة.
هل يتيح القانون الدولي للدول التدخل في الشأن السوداني؟
هنا يجب التفريق بين أمرين: بين التدخل الدبلوماسي والوساطة والضغط السياسي، وبين التدخل العسكري أو دعم طرف مسلح داخل دولة ذات سيادة.
الدول تستطيع، في إطار العلاقات الدولية، أن تتوسط وأن تضغط دبلوماسياً وأن تقدم المساعدات الإنسانية، كما يمكن لمجلس الأمن أن يتخذ تدابير بموجب ميثاق الأمم المتحدة. لكن مبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول، وحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، يضعان قيوداً واضحة على التدخل الخارجي.
أما تقديم السلاح أو الدعم العسكري لطرف في نزاع داخلي، فهو مسألة أكثر تعقيداً قانونياً وسياسياً، ولا يمكن اعتبار مجرد وجود مصالح إقليمية أو علاقات سياسية تفويضاً مفتوحاً بالتدخل في الحرب السودانية.
ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط: هل تتدخل هذه الدول؟ بل: بأي سند قانوني؟ وبأي تفويض؟ ولمصلحة من؟ ومن يحاسبها إذا ساهم تدخلها في إطالة الحرب؟
أين جهودك أنت يا بولس؟
بولس تحدث عن «دعم دولي غير مسبوق» لمسار السلام، وعن إعلان مبادئ جرى التوافق عليه في مؤتمر برلين، وعن مشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والإيغاد ودول أخرى. كما تحدث عن جمع أكثر من 1.8 مليار دولار للمساعدات الإنسانية.
لكن السوداني الذي يسمع عبارة «دعم غير مسبوق» قد يسأل ببساطة:
أين هو هذا الدعم على الأرض؟
هل وصل إلى المدنيين الذين يعيشون تحت القصف والجوع والنزوح؟
وهل الدعم السياسي للمبادرات يكفي إذا لم يصاحبه ضغط حقيقي على من يمدون الحرب بالسلاح؟
فالإنجاز السياسي لا يُقاس بعدد الدول التي وقعت على البيانات، وإنما بقدرته على تغيير الواقع.
وأين التواصل مع المجتمع السوداني؟
يقول بولس إن واشنطن على تواصل مستمر مع المجتمع المدني السوداني، وإن المجتمع المدني السوداني متنوع وكبير ويميل إلى الحوار الوطني والانتقال إلى حكم مدني.
لكن السؤال هنا أيضاً مشروع:
من هم السودانيون الذين التقيتم بهم؟
هل كان التواصل مع القوى السياسية وحدها، أم مع لجان المقاومة، والنقابات، والإدارات الأهلية، والنازحين، والنساء، والشباب، ومنظمات المجتمع المدني، والضحايا وأسرهم؟
وما الذي خرجتم به من هذا التواصل؟
هل اكتشفتم مساراً سودانياً جديداً يمكن أن يقود إلى السلام؟ أم أن المسار ما زال مرسوماً من الخارج ثم يُطلب من السودانيين اللحاق به؟
فإذا كان الحل، كما يقول بولس، يجب أن يكون «سودانيّاً-سودانيّاً»، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: أين السودانيون في صناعة هذا الحل؟
إذا كان استمرار الدعم العسكري مخيفاً، فأين العقوبات؟
بولس سُئل عن إمكانية فرض ضغوط أو عقوبات على الدول الداعمة لأطراف النزاع، وكانت إجابته أن الولايات المتحدة تواصل الحوار معها.
وهنا تحديداً يجب أن يتوقف النقاش.
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك معلومات عن دول تسهم في استمرار الحرب، وإذا كانت هذه الدول بالفعل جزءاً من المشكلة، فلماذا يبقى التعامل معها في حدود «الحوار»؟
أين أدوات الضغط الأمريكية؟
أين العقوبات على الشبكات التي تمول الحرب؟
أين العقوبات على الشركات والوسطاء الذين يسهلون وصول السلاح؟
وأين الضغط السياسي على الحكومات التي يمكن أن توقف خطوط الإمداد؟
فمن غير المنطقي أن تقول واشنطن إن الدعم الخارجي يطيل الحرب، ثم تكتفي بمناشدة داعمي الحرب وقف الدعم.
ما هو دور بولس في استمرار الدعم؟
لكن المسؤول الذي يتولى ملفاً بهذه الحساسية لا يُقاس فقط بما يقوله، وإنما بما يستطيع تحقيقه.
وبالتالي فإن السؤال المشروع أمامه هو:
إذا كنت تقول إن استمرار الدعم الخارجي هو أحد أكبر أسباب استمرار الحرب، فما الذي فعلته لإيقافه؟
وإذا كان لديك اتصال مباشر مع الدول التي تقدم هذا الدعم، فماذا طلبت منها تحديداً؟
هل طلبت وقف السلاح؟
هل طلبت وقف التمويل؟
هل طلبت إغلاق قنوات الإمداد؟
هل وضعت أمامها عقوبات محتملة؟
هل حصلت على تعهدات مكتوبة؟
وهل تستطيع أن تقول للشعب السوداني إنك اكتشفت مساراً عملياً لإجبار داعمي الحرب على التراجع؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي أسئلة ضرورية من مواطنين يعيشون نتائج الحرب كل يوم.
السلام لا يصنعه الوسطاء وحدهم
السودان لا يحتاج إلى مبادرات جديدة فقط، بل يحتاج إلى مبادرة تستطيع أن تكسر الحلقة التي تجعل الحرب مستمرة: السلاح، والتمويل، والدعم الخارجي، والاستقطاب السياسي.
وإذا كانت واشنطن جادة في إنهاء الحرب، فإن عليها أن تنتقل من مرحلة القول إن الدعم الخارجي «مؤسف» إلى مرحلة جعل استمرار هذا الدعم مكلفاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً.
أما الحديث عن «دعم دولي غير مسبوق» فلا قيمة له إذا كان السودان لا يزال ينزف.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام مسعد بولس هو:
أين دورك أنت؟
أين نتائج اتصالاتك؟
من هي الدول التي تحدثت معها؟
ماذا طلبت منها؟
ماذا وافقت عليه؟
ماذا رفضت؟
وإذا كان استمرار الدعم الخارجي هو أحد أسباب استمرار الحرب، فلماذا لم يتوقف هذا الدعم حتى الآن؟
السودانيون لا يريدون سماع أن هناك «تواصلاً مستمراً» فقط. يريدون أن يعرفوا ماذا أنتج هذا التواصل.
لأن التواصل الذي لا يوقف السلاح، ولا يحمي المدنيين، ولا يقرب السودانيين من السلام، يبقى مجرد تواصل.
أما الدبلوماسية الحقيقية، فهي التي تغيّر الواقع.

زر الذهاب إلى الأعلى