الأعمدة

تجارةٌ تحت الرداء الأبيض

حديث القلم
بقلم ـ أمين محمد
أُنشئ «مركز صحي الإنقاذ المرجعي» جنوبي الخرطوم ليكون ملاذًا خدميًا يخفف وطأة المعاناة المادية والصحية عن كاهل المواطنين. وعلى مدار سنوات طويلة، مر هذا الصرح المرجعي بتحديات عاصفة، تمثلت في النقص الحاد في المعدات والكوادر الطبية، فضلاً عن تهالك البنية التحتية للمبنى نفسه. غير أن روح التضامن الاجتماعي استطاعت حمايته من الانهيار؛ إذ تداعت جهود المغتربين من أبناء الحي لتوفير الأدوية والمستلزمات الحيوية، بينما تسابق الأهالي في الداخل بأموالهم وسواعدهم الحرفية لتأهيل شبكات الكهرباء والسباكة والنقاشة. ومع سريان التعافي واستتباب الأمن وعودة أعداد غفيرة من السكان إلى ديارهم، كان المتوقع أن ينعكس هذا الاستقرار على كفاءة الخدمات الطبية وتسهيل حصول الأهالي على العلاج، غير أن الواقع كشف عن ممارسات إدارية وسلوكيات فردية تُجرّد المركز الحكومي من رسالته النبيلة وتحوله إلى ساحة للاستغلال.
مررت بالمشهد خلال زيارة عائلية للمركز؛ فبعد إجراء الفحوصات وتحديد التشخيص، أفادت الطبيبة المعالجة بضرورة العودة في الأسبوع التالي للمتابعة، لكن المفاجأة كانت في اشتراطها أن تكون المراجعة داخل عيادتها الخاصة لا المركز المرجعي! ولم يتوقف الأمر عند الترويج للمقابلة الخاصة، بل امتد لبيع الأدوية مباشرة من حقيبتها الشخصية للمريض. مر الموقف بدايةً بحسن نية، غير أن التجربة تكررت بشكل أكثر حدة حين قصدت المركز شخصيًا؛ إذ حضرت في الثامنة صباحًا ولم أجد الطبيبة، ولدىعودتي عند العاشرة والنصف وبعد سداد رسوم التذكرة، بادرتني بالطرد الذريعي بدعوى أن موعد العمل انتهى عند الحادية عشرة، مكررةً الدعوة للذهاب إلى عيادتها ومعملها الخاص.
أمام هذا الإصرار، وجهتُ سؤالاً مباشرًا عن سبب تعطيل الفحوصات في معمل المركز الحكومي، فما كان منها إلا الصمت وكتابة روشتة الفحوصات، مكررةً العرض ذاته لشراء أدوية حقيبتها أو قصد صيدليتها الخاصة بعد تحديد المرض.
ولدى مقارنة أسعار تلك الأدوية بالصيدليات الخارجية، اتضح وجود فارقٍ كبير وارتفاع غير مبرر في أسعار أدوية الطبيبة. إن هذه الممارسات تطرح أسئلة ملحة ومباشرة موجهة للجهات التنفيذية والرقابية: أين الرقابة الميدانية لوزارة الصحة من هذه الخروقات الشديدة؟ وهل تحولت المؤسسات الحكومية إلى منافذ ترويجية وتكسب شخصي على حساب المواط

زر الذهاب إلى الأعلى