الأعمدة

هل يتجه السودان نحو حرب ستستمر لعشرات السنين؟!

محمد الفاتح حضرة
🧭🧐 ربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا عن سؤال:
من سينتصر في هذه الحرب؟!
وأن نسأل السؤال الأخطر:
إلى أين يسير السودان إذا استمرت هذه الحرب؟!
لننظر حولنا، لا إلى الشعارات، وإنما إلى تجارب الدول التي سبقتنا إلى هذا الطريق.
🫵 أفغانستان..
أكثر من أربعة عقود من الحروب والانقلابات والتدخلات الأجنبية، وأكثر من عشرين عامًا من الحرب التي بدأت عام 2001، ثم انسحبت القوات الأمريكية عام 2021 وعادت طالبان إلى الحكم.
عشرون عامًا من الحرب والتدخل العسكري وبناء الجيش والمؤسسات وإنفاق المليارات…
ثم انهارت الحكومة والجيش بسرعة مذهلة.
واليوم، ورغم تراجع الحرب المفتوحة، لا تزال أفغانستان تعاني من الفقر والأزمة الاقتصادية والإنسانية والتهديدات الأمنية.
🫵 الصومال..
منذ انهيار الدولة عام 1991، أكثر من ثلاثة عقود من الحرب والانقسام والتدخلات الأجنبية والحركات المسلحة.
ثم ظهرت أرض الصومال ككيان قائم بحكم الأمر الواقع منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ثلاثة عقود ونصف، ولم تعد وحدة الدولة أمرًا يمكن استعادته بقرار!!
🫵 ليبيا..
منذ 2011:
حكومات متنافسة…
مؤسسات منقسمة…
قوات وميليشيات متعددة…
مناطق نفوذ…
مرتزقة ومقاتلون أجانب…
وتدخلات إقليمية ودولية.
خمسة عشر عامًا تقريبًا، وما زالت ليبيا تبحث عن الدولة التي فقدتها.
🫵 اليمن..
أكثر من عشر سنوات من الحرب والانقسام:
حكومة…
وسلطات أمر واقع…
وقوى جنوبية…
وجيوش وتشكيلات مسلحة…
وتدخلات إقليمية ودولية…
وفقر وجوع ونزوح وانهيار اقتصادي.
عشر سنوات، ولم تستطع الحرب أن تنتج دولة موحدة أو سلامًا مستقرًا.
🧐🫵 هذه هي الحقيقة السوداء التي ينبغي أن يضعها كل سوداني أمام عينيه:
الحرب الطويلة لا تبقى حربًا فقط.
إنها تتحول إلى اقتصاد.
والاقتصاد يتحول إلى مصالح.
والمصالح تتحول إلى نفوذ.
والنفوذ يتحول إلى سلطات.
والسلطات تحتاج إلى جيوش.
والجيوش تحتاج إلى المال.
والمال يجعل استمرار الحرب مصلحة لبعض المستفيدين منها.
وهكذا تتحول الحرب إلى منظومة يصعب تفكيكها كلما طال أمدها!!
وهذا بالضبط ما يخيفني على السودان.
فحرب السودان لم تعد مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع.
لقد أنتجت:
حركات مسلحة…
قوات مشتركة…
مستنفرين…
ميليشيات محلية…
مقاتلين من خارج السودان…
شبكات تجنيد…
اقتصاد حرب…
ومصالح مرتبطة بالسلاح.
والمجتمع السوداني نفسه بدأ يتجه نحو العسكرة.
🫵 المواطن في شمال السودان ووسطه وشرقه بدأ يسأل:
إذا كانت الدولة لا تستطيع حمايتي.. فمن يحميني؟!
فتتسلح القرية.
وتتسلح المدينة.
وتتسلح القبيلة.
ويُستقطب الشباب إلى القوات والحركات المسلحة.
والفقير الذي لا يجد عملًا قد يجد في البندقية:
راتبًا.. وحماية.. ونفوذًا.
وهكذا يتحول الفقر نفسه إلى وقود للحرب.
🛑 ومناوي يفتح أمامنا بابًا بالغ الخطورة!!
في لقاء مع تلفزيون السودان في يوليو 2026، تحدث مني أركو مناوي عن قضية دمج الحركات المسلحة في الجيش، وقال إن العملية تحتاج إلى عشر سنوات على الأقل، وأنه لا بد أولًا من إصلاح الدولة قبل الدخول في عملية الدمج.
وهنا نسأل:
أليست قضية دمج الدعم السريع في الجيش واحدة من القضايا المركزية التي انفجرت حولها الأزمة بين البرهان وحميدتي قبل اندلاع حرب 15 أبريل؟!
كان السؤال يومها:
كم سنة يحتاج الدمج؟!
واليوم نسمع من أحد أبرز قادة الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش:
إصلاح الدولة أولًا.. ثم الدمج.. وقد يستغرق ذلك عشر سنوات!!
فإذا كان الأمر كذلك:
متى يبدأ إصلاح الدولة؟!
والحرب مستمرة!!
ومتى تبدأ عملية الدمج؟!
وبأي جيش؟!
وبأي دولة؟!
وماذا عن بقية الحركات المسلحة؟!
وماذا عن القوات المشتركة؟!
وماذا عن المستنفرين؟!
وماذا عن التشكيلات القبلية والمحلية التي نشأت خلال الحرب؟!
🛑 ومناوي ليس وحده!!
هناك حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.
وفصائل من حركات تحرير السودان.
وتجمعات وحركات دارفورية أخرى.
وقوات مشتركة متعددة المكونات.
وقوات درع السودان.
وتشكيلات المقاومة الشعبية والمستنفرين.
وكتائب وتشكيلات إسلامية مسلحة.
ثم ظهرت خلال الحرب تحالفات وتشكيلات جديدة، وانضمت مجموعات مسلحة وقبلية أخرى إلى معسكر الجيش.
هذه ليست قوة واحدة!!
هذه شبكة من القوى المسلحة ذات الخلفيات والمصالح والقيادات المختلفة.
والأخطر أن هذه القوى لم تبقَ كما كانت قبل الحرب.
لقد توسعت.
وجرى تجنيد مقاتلين جدد.
وزادت أعداد بعضها وتسليحها.
ومناوي نفسه تحدث عن وجود مقاتلين من دولة جنوب السودان في صفوف قواته، وقال إنهم جاءوا متطوعين وليسوا مرتزقة.
وهنا لا يهمنا كثيرًا اختلاف التسمية.
المهم هو السؤال:
كيف تتحول دولة في حالة حرب إلى ساحة تستقطب مقاتلين من خارج حدودها، بينما تتوسع في داخلها عشرات التشكيلات المسلحة؟!
ثم ماذا يحدث عندما تنتهي الحرب؟!
هل يعود كل هؤلاء إلى حياتهم المدنية؟!
أم يصبح السلاح مصدر رزق وحماية ومكانة ونفوذ؟!
🛑 وهنا تكمن الكارثة!!
إذا كانت حركة مسلحة تقول إن دمج قواتها يحتاج إلى عشر سنوات من إصلاح الدولة…
وإذا كانت حركات أخرى لديها قواتها وقياداتها ومقاتلوها…
وإذا كانت ميليشيات وتشكيلات جديدة قد ظهرت خلال الحرب…
وإذا كان الجيش نفسه يحتاج إلى إعادة بناء وإصلاح…
فإننا لا نتحدث عن دمج قوات في جيش فقط!!
نحن نتحدث عن:
إعادة بناء الدولة السودانية نفسها.
وهذه عملية قد تستغرق سنوات طويلة…
وربما عقودًا.
وفي أثناء ذلك:
هل تتوقف الحرب؟!
أم تستمر؟!
وهل يمكن أن يستمر السودان عشر سنوات أخرى بهذه التركيبة العسكرية؟!
وماذا سيحدث بعد عشر سنوات؟!
هل سيكون لدينا جيش وطني واحد؟!
أم جيوش وحركات وميليشيات ومناطق نفوذ أكثر مما لدينا اليوم؟!
🛑 وهنا نعود إلى السؤال المرعب:
إذا استمرت الحرب خمس سنوات أخرى، ماذا سيحدث؟!
وعشر سنوات؟!
وعشرين سنة؟!
وخمسين سنة؟!
بل ماذا لو امتدت إلى أجيال كاملة؟!
لقد نُقل عن الفريق ياسر العطا حديث عن إمكانية استمرار الحرب إلى مائة عام.
قد يكون الرقم مبالغة سياسية.
لكن القضية ليست في الرقم.
القضية أن المؤشرات الحالية لا تقدم لنا سببًا واحدًا يجعلنا مطمئنين إلى أن الحرب ستنتهي قريبًا!!
بل العكس:
طرفا الحرب يبنيان قوتهما.
الحركات المسلحة توسع وجودها.
التجنيد مستمر.
السلاح ينتشر.
مصادر التمويل مستمرة.
التدخلات الخارجية مستمرة.
والمجتمع نفسه يزداد عسكرة.
فهل ننتظر حتى يصبح الانقسام واقعًا لا يمكن عكسه؟!
🛑 لكن هناك مشكلة أخرى..
القوى المدنية والسياسية الساعية إلى وقف الحرب تحمل مرارات حقيقية تجاه العسكريين، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
ومن حقها ألا تثق بسهولة في قادة سبق أن نقضوا العهود والمواثيق.
ومن حقها أن تقول:
لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين!!
لكن:
هل عدم الثقة يعني رفض الحوار إلى الأبد؟!
إذا كان للحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض تأثير على القرار العسكري والسياسي، فهل يمكن صناعة السلام من دون مخاطبة من يملك تأثيرًا على الحرب؟!
وإذا كانت هناك تيارات سياسية لها تأثير على الدعم السريع، فهل نتجاهلها كذلك؟!
السلام لا يحتاج إلى أن نحب بعضنا.
السلام يحتاج إلى أن ندرك أن استمرار الحرب أخطر من مرارة الحوار مع الخصوم.
🫵 وهنا تأتي الحكمة الرواندية..
المصالحة لا تعني نسيان الجرائم.
ولا إلغاء العدالة.
ولا إعفاء المجرمين من المحاسبة.
لكنها تعني:
أن نوقف الحرب أولًا، ثم نبني دولة قوية تستطيع تحقيق العدالة بالقانون.
أما أن نستمر في الحرب بحجة تحقيق العدالة بالبندقية…
فقد يأتي يوم لا يبقى فيه وطن أصلًا نستطيع أن نطبق فيه العدالة!!
🤔 فهل يقبل الشعب السوداني بهذا المصير؟!
هل نقبل أن يصبح السودان أفغانستان أخرى؟!
أم صومالًا آخر؟!
أم ليبيا أخرى؟!
أم يمنًا أخرى؟!
هل نقبل أن نعيش عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة بين جيوش متعددة، وحركات مسلحة، وميليشيات، ومناطق نفوذ، وتدخلات أجنبية، واقتصاد حرب، وفقر ونزوح؟!
هل هذا هو المستقبل الذي نريده لأبنائنا؟!
أم أن الحكمة تقتضي أن نبحث، رغم كل المرارات، عن مصالحة سودانية حقيقية توقف هذه الحرب، وتفتح الطريق للعدالة، وتعيد بناء الدولة، وتنزع السلاح من المجتمع، وتؤسس لجيش وطني واحد، وسلطة مدنية واحدة، وقانون واحد؟!
لأن القضية في النهاية ليست:
من ينتصر: الجيش أم الدعم السريع؟!
ولا:
من ينتصر: الإسلاميون أم القحاطة؟!
ولا:
من يحكم الخرطوم؟!
القضية أكبر من الجميع:
هل يبقى السودان نفسه؟!
فالحرب التي تستمر عشرين سنة قد تنتج جيلًا لا يعرف السلام.
والحرب التي تستمر خمسين سنة قد تنتج مجتمعًا لا يعرف الدولة.
أما الحرب التي تستمر مائة سنة…
فقد لا يبقى بعدها السودان الذي نعرفه اليوم!! ‼️💢
فهل يقبل الشعب السوداني بهذا المصير؟!
أم آن الأوان أن ينتصر السودانيون على مراراتهم وانقساماتهم ومنطق الثأر…
قبل أن تنتصر الحرب على السودان؟!

زر الذهاب إلى الأعلى