
تقرير ــ أمين محمد
بين مطرقة الشروط التنظيمية الدولية وسندان التحديات الميدانية التي فرضتها ظروف الحرب، يقف القطاع المصرفي السوداني أمام اختبار حقيقي لإعادة هيكلة بيانات متعامليه وتنظيم حركته النقدية. وفيما تسعى السلطات النقدية إلى ترقية معايير الشفافية والامتثال لحماية النظام المالي من مخاطر غسل الأموال، تتصاعد التساؤلات حول مدى قدرة البنية التحتية للبنوك واستجابة الشارع المصرفي لهذه القرارات في ظل تعقيدات نزوح العملاء وتضرر الفروع.
حسم الجدل
فنّد بنك السودان المركزي الأنباء المتداولة حول إعفاء العملاء من تحديث بياناتهم المصرفية عند تسجيلهم في نظام الهوية الرقمية «SudaPass»، مؤكدًا أن التسجيل يُستخدم حصريًا لإثبات الشخصية، ولا يغني إطلاقًا عن استكمال إجراءات التحديث. وأشار إلى أنه ألزم المصارف منذ فبراير 2026م بتحديث البيانات وفقًا للضوابط الرقابية، معلنًا تمديد المهلة حتى نهاية العام الجاري صونًا للودائع وحمايةً لحقوق المتعاملين.
التمهيد الإجرائي
أكّد الخبير المصرفي وليد دليل أن التمييز بين التسجيل في الهوية الرقمية «SudaPass» وتحديث البيانات المصرفية يمثل نقطة جوهرية لتفادي اللبس لدى المتعاملين مع القطاع البنكي.
تباين المفاهيم
و أوضح «دليل» أن التسجيل في «SudaPass» يُعد إجراءً سياديًا لإثبات الشخصية دون ارتباط مباشر بحساب بنكي محدد، بينما تشكل عملية تحديث البيانات (KYC) إجراء امتثال داخلي خاص بكل مصرف لتحديد مستويات المخاطر وتوثيق مصادر الدخل. كما بيّن أن غياب الربط التقني الشامل بين قاعدة بيانات «SudaPass» والأنظمة الداخلية للمصارف يُبقي مسؤولية التحديث على عاتق البنوك وحدها.
معايير امتثال
وأشار الخبير إلى أن قرار بنك السودان المركزي بتشديد الضوابط وتمديد المهلة حتى نهاية العام 2026م يأتي استجابة لمتطلبات دولية صارمة تعزز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعلى رأسها معايير مجموعة العمل المالي (FATF). ونوّه بأن تصنيف الحسابات يُعد ركيزة أساسية لحماية الودائع، وضمان استمرار علاقات المراسلة البنكية الخارجية.
عقبات تشغيلية
وكشف «دليل» عن وجود تفاوت بين البنوك في اكتمال عمليات التحديث، مبرزًا أن الازدحام الشديد في بعض فروع بنك الخرطوم والولايات كان السبب المباشر للتمديد. وأضاف أن تداعيات الحرب، وتضرر الفروع، ونزوح العملاء، إلى جانب ضعف القنوات الرقمية لتحديث البيانات عن بُعد، فرضت تحديات تشغيلية كبيرة جعلت شرط “الظهور الشخصي” عبئًا إضافيًا، مما دفَع «المركزي» للتمديد كأداة لامتصاص الضغط الميداني.
توازن حرج
وفي السياق ذاته سلط الأستاذ المشارك بكلية الاقتصاد بجامعة كسلا، الدكتور عادل عبد العزيز إدريس، الضوء على تداعيات تمديد مهلة تحديث البيانات المصرفية، موضحًا أن الخطوة تُعد بمثابة «لعبة توازن» دقيقة يمارسها البنك المركزي للتوفيق بين الاستجابة للمعايير الدولية، وحماية الودائع المصرفية، وتفادي دفع المتعاملين نحو الأسواق الموازية.
مكاسب مؤقتة
و أشار «إدريس» إلى أن التمديد يترتب عليه أثرٌ إيجابيٌ قصير المدى يتمثل في امتصاص الضغط ومنع عمليات السحب الجماعي المفاجئ للودائع، مما يحافظ على مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي. غير أنه حذر في الوقت ذاته من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد يُغري القرار قطاعًا عريضًا من المتعاملين بتأجيل التحديث حتى ديسمبر 2026م، مما يبقي البنوك في حالة عدم يقين بشأن صحة بيانات عملائها. كما لفت إلى وجود سيولة مشكوك فيها ناجمة عن ظروف الحرب، تحجم البنوك عن استغلالها في التمويل والاستثمار مخافة الوقوع في مخالفات رقابية.
مخاطر الهروب
وأكد الخبير الاقتصادي وجود مخاطر حقيقية تزيد من ظاهرة الهروب إلى القطاع غير الرسمي نتيجة لعدة عوامل، أبرزها تعقيد الإجراءات وفقدان بعض العملاء لمستنداتهم بسبب الحرب، إلى جانب المخاوف من التتبع الضريبي لدى بعض التجار، وتوفر البدائل السريعة كالنقد والتحويلات عبر التطبيقات غير المصرفية والسوق الموازية. وأوضح أن تفضيل أصحاب الأعمال الصغيرة التعامل النقدي يُضعف جهود الشمول المالي التي يسعى إليها «المركزي».
سمعة دولية
وعلى المدى المتوسط، جزم «إدريس» بأن للقرار أبعادًا إيجابية استراتيجية؛ حيث يسهم الالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال في استعادة السودان لعلاقاته مع البنوك المراسلة، ويزيد من ثقة المؤسسات المالية المانحة في جدية السلطات النقدية في تنظيم القطاع المصرفي. واختتم بالإشارة إلى أن البيانات المحدثة ستنعكس مستقبلاً على تسهيل التحويلات الدولية وتخفيض تكاليف عمولاتها، مما يجعل التمديد حتى نهاية 2026م التسوية الأكثر واقعية في الظروف الراهنة.
رهان الوقت
إن قرار تمديد المهلة حتى نهاية العام ليس مجرد تأجيل إداري، بل هو مساحة مناورة فرضتها واقعية المشهد السوداني؛ حيث يُراهن البنك المركزي على الوقت لكسب ثقة المنظومة المالية الدولية دون إحداث صدمة في السيولة المحلية. ويبقى الرهان الأكبر مُعلقًا على قدرة البنوك على تطوير منافذها الرقمية وتسهيل المعاملات، لضمان عبور آمن للقطاع المصرفي نحو التعافي والاندماج العالمي.



