

ملكون ملكون
في خطوة تصفها التقارير بأنها تحول جيوسياسي وتقني عميق، وافقت الحكومة الأميركية رسمياً على منح ترخيص تصدير لرقائق متطورة من شركة “إنفيديا”
(Nvidia)، وهي الشركة الأكثر قيمة في العالم، لصالح مشروع حاسوب فائق الذكاء الاصطناعي في أرمينيا.
هذا القرار لا يمثل مجرد صفقة تجارية، بل يُعد إشارة سياسية قوية من إدارة الرئيس دونالد ترامب تهدف إلى تعزيز المصالح الأميركية في منطقة القوقاز الاستراتيجية، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عبر التكنولوجيا.
ووفقاً لما أوردته وكالة “بلومبيرغ” ونقلته وسائل الإعلام المتخصصة، حصلت الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي “فايربيرد” (Firebird AI) على الضوء الأخضر من وزارة التجارة الأميركية لاستيراد رقائق “إنفيديا” المتقدمة (من طراز Blackwell ) لبناء مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي في أرمينيا.
وتشمل التفاصيل الدقيقة للمشروع النقاط الآتية:
* حجم الاستثمار: تبلغ قيمة المشروع 500 مليون دولار أميركي.
* البنية التحتية: سيتم بناء منشأة بقدرة 100 ميغاواط، تُعد الأولى من نوعها كمركز بيانات واسع النطاق للذكاء الاصطناعي في منطقة جنوب القوقاز.
* التجهيزات التقنية: سيعتمد المركز على خوادم الذكاء الاصطناعي من شركة “ديل تكنولوجيز” ( Dell Technologies Inc.) مدعومة برقائق “بلاك ويل” (Blackwell) من الجيل التالي لشركة إنفيديا.
* الجدول الزمني: من المتوقع أن تبدأ المرحلة الأولى من المشروع في العمل بحلول الربع الثاني من عام 2026.
لكن ما هي الأبعاد الجيوسياسية لهذا المشروع؟
يبرز التحليل الذي قدمته “ABC Media” نقلاً عن بلومبيرغ التناقض الصارخ والارتباط المثير بين طرفي الصفقة: أرمينيا التي يبلغ حجم اقتصادها أقل بـ 160 مرة من القيمة السوقية لشركة إنفيديا (البالغة 4.5 تريليون دولار)، والعملاق التكنولوجي العالمي.
ويشير التقرير إلى أن هذه الصفقة هي مثال حي على “دبلوماسية الرقائق” التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب، إذ يتم استغلال النفوذ الأميركي من خلال التحكم في الوصول إلى التكنولوجيا لإمالة التوازن الجيوسياسي لصالح واشنطن. وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يشمل الآتي: تعزيز المصالح الأميركية في القوقاز حيث يُنظر إلى المنطقة كجزء حيوي استراتيجياً، وتسعى واشنطن لتقليص الاعتماد على روسيا فيها. وإقامة اتفاق السلام والطريق التجاري إذ يربط التقرير هذه الصفقة التقنية بحدث سياسي كبير تم في آب/أغسطس، إذ وقع الرئيس ترامب إعلان مشترك مع زعيمي أرمينيا وأذربيجان لإنهاء عقود من الحرب.
وبموجب هذا الاتفاق، مُنحت الولايات المتحدة “حقوق تطوير حصرية” لطريق عبور مخطط له عبر أرمينيا يربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي التابعة لأذربيجان. وهذا يعني عزل روسيا تجاريا حيث يهدف هذا الطريق إلى تعزيز منطقة القوقاز كجسر تجاري بين أوروبا وآسيا “متجاوزاً روسيا”، مما يوسع الوصول إلى الثروات المعدنية وثروات الطاقة الهائلة في دول آسيا الوسطى.
يُذكر أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن كانت قد صنفت أرمينيا كدولة من “المستوى الثاني” (Tier-2) بموجب ما يسمى “قاعدة انتشار الذكاء الاصطناعي” ، وهو تصنيف كان يحد من صادرات الرقائق عالية الأداء إليها خوفاً من تسرب التكنولوجيا. لكن إدارة الرئيس ترامب قامت برفع هذه القيود، مما مهد الطريق لموافقة التصدير الحالية. وتأتي هذه الخطوة متناغمة مع طموحات الحكومة الأرمينية التي أعلنت منذ فترة طويلة عن تطوير النظام البيئي التكنولوجي كأولوية وطنية، وسنت قوانين لدعم الشركات الناشئة وتوليد المواهب المحلية.
الموافقة الأميركية تعتبر نقطة تحول تتجاوز البعد التكنولوجي لتدخل في صلب الاستراتيجية الجيوسياسية الكبرى. فالولايات المتحدة تستخدم تفوقها في الذكاء الاصطناعي كأداة نفوذ ناعمة وقوية لدمج أرمينيا في المعسكر الغربي وتقليل نفوذ روسيا في منطقة القوقاز. وبالمقابل فإن المشروع يوفر لأرمينيا فرصة نادرة للتحول إلى مركز إقليمي للحوسبة الفائقة، مما يعزز “السيادة الرقمية” ويخلق اقتصاداً لا يعتمد على الطرق التجارية التقليدية وحدها.
هذه الصفقة مرتبطة بجهود دبلوماسية أوسع (اتفاقيات السلام وطرق العبور) تهدف إلى خلق مسارات طاقة وتجارة تتجاوز موسكو وطهران.



