الأعمدة

تعهّدات البرهان لترامب بشأن السلام.. هل تكفي لعودة السودانيين إلى بلادهم وإلي بيوتهم ؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
### أسئلة منطقية عن الوفاء بالعهد، وحماية المدنيين، والأمن الذي يحتاجه أهل السودان
🤔 لماذا لم يعد أهل السودان إلى بلادهم، رغم انحسار الحرب عن أجزاء واسعة من البلاد؟!
🤔 لماذا لم تعد الحياة الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية إلى طبيعتها في ولايتي الخرطوم والجزيرة وغيرهما، رغم سيطرة الجيش على مناطق واسعة من السودان؟!
🤔 لماذا يبيع بعض أصحاب المنازل في الأحياء الراقية بالخرطوم بيوتهم، بعد أن ظلت تلك الأحياء خاوية من السكان طوال السنوات الماضية؟!
🤔 لماذا يستمر تدهور خدمات المياه والكهرباء، وتتراجع فرص العمل، بينما تنهار العملة السودانية وترتفع الأسعار وتكاليف المعيشة كل يوم ؟!
🤔 هل تكمن المشكلة في غياب الجيش عن بعض المناطق فحسب، أم أن هناك أسباباً سياسية وأمنية واقتصادية أعمق تجعل السودانيين يخشون العودة، حتى إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش؟!
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، ولا تقليلاً من معاناة السودانيين الذين يتطلعون إلى إنهاء الحرب والعودة إلى ديارهم؛ بل هي أسئلة مشروعة عن أسباب استمرار النزوح واللجوء، وعن مستقبل بلد أنهكته الحروب والانقلابات وسوء إدارة الدولة.
🫵في هذا السياق، أعلن الجنرال عبد الفتاح البرهان، يوم 15 أكتوبر 2026، أنه بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد الحكومة للعمل مع الأطراف كافة من أجل سلام عادل ودائم.
🤔ولكن، هل تكفي هذه التعهّدات وحدها لإقناع السودانيين بالعودة؟!
🤔 وهل تُقاس جدية التعهّدات بما يرد في التغريدات والرسائل السياسية، أم بما يملكه صاحبها من سجل سابق في احترام العهود والمواثيق والدستور، وبما تقدمه سلطته من ضمانات عملية لحماية المواطنين؟!
### 🛑 أولاً.. هل يطمئن السودانيون من غير جماعة الحركة الإسلامية إلى تعهّدات الجنرال البرهان؟! 🤔
في تقديري، لا يمكن النظر إلى تعهّدات البرهان الأخيرة بمعزل عن تاريخه السياسي، ولا تجاهل المحطات التي اختُبرت فيها تعهّداته أمام الشعب السوداني.
فقد أثبتت الوقائع، في أكثر من محطة، وجود تناقض خطير بين الالتزامات التي أُعلنت باسم القيادة العسكرية، وما انتهت إليه الممارسات السياسية والدستورية على أرض الواقع.
🤔 هل نسي السودانيون تعهّدات الجنرال البرهان بحماية المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش، والتصريحات التي طمأنت الثوار إلى أن الاعتصام لن يُفضّ ؟!
ثم ماذا حدث؟!
في 3 يونيو 2019، وقعت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وسقط قتلى وجرحى، ووُثقت انتهاكات جسيمة، بينها العنف الجنسي، كما عُثر على جثامين ضحايا في النيل.
لم تكن تلك المجزرة مجرد حادثة عابرة في تاريخ السودان؛ بل كانت جرحاً عميقاً في ذاكرة الثورة، وسؤالاً مفتوحاً عن مسؤولية القيادة العسكرية التي كانت تتولى السلطة آنذاك، وعن واجبها في حماية المواطنين الذين اعتصموا أمام مقر الجيش طلباً للحرية والسلام والعدالة.
🤔 فكيف يُطلب من شباب الثورة وأسر الضحايا أن يطمئنوا الآن إلى الوعود الجديدة، بينما لا تزال أسئلة الحقيقة والعدالة والمحاسبة عن تلك الجرائم قائمة؟!
وهل يمكن بناء الثقة من جديد من دون كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم تكرار ما حدث؟!
🤔 وهل نسي السودانيون الالتزامات الدستورية التي تعهّد البرهان باحترامها، عندما تولى رئاسة مجلس السيادة خلال الفترة الانتقالية؟!
ألم تكن الوثيقة الدستورية أساساً لتنظيم السلطة، وحماية الانتقال، والتمهيد لحكم مدني ديمقراطي؟!
ثم يُفاجأ الشعب بإنقلاب 25 أكتوبر 2021، بقيادة الجنرال البرهان وبمشاركة قائد الدعم السريع، فقُوِّض المسار الدستوري، وأُقصيت الشراكة المدنية، واعتُقل رئيس الوزراء وعدد من المسؤولين، ودخل السودان مرحلة جديدة من الانسداد السياسي.
وقد أدانت الأمم المتحدة ذلك الانقلاب، وطالبت بإعادة النظام الدستوري.
فأي معنى يبقى للالتزام الدستوري إذا أطاحت القرارات العسكرية بالترتيبات التي كان يفترض أن تحمي الانتقال؟!
🤔 وهل نسي السودانيون الوعود التي أُطلقت بشأن استكمال الانتقال وإجراء الانتخابات بعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021 ، بينما استمر الانسداد السياسي والصراع بين رأسي الإنقلاب، الي ان اندلعت حرب 15 أبريل 2023؟!
إن السؤال ليس عن عبارة قيلت في الماضي ثم انتهى أثرها؛ بل عن الضمانات التي تمنع تكرار نقض التعهّدات، وعن المؤسسات القادرة على محاسبة من يتولى السلطة إذا خالف الدستور والقانون.
فالثقة لا تُطلب من الشعوب بقرار سياسي، ولا تُستعاد بتغريدة؛ بل تُبنى بالوفاء بالعهد، واحترام القانون، وتحمل المسؤولية عن الأخطاء والانتهاكات.
### 🛑 ثانياً.. ماذا تقول الشريعة الإسلامية عن العهد والوفاء وحماية الدماء؟!
وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله، خاصة ممن يرفعون شعارات الإسلام، ويتحدثون باسم الدين، ويقدّمون أنفسهم حماةً لهوية السودان الإسلامية.
🤔 أليس الوفاء بالعهد من أوامر الله تعالى؟!
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
وقال عز وجل:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فإذا كان الوفاء بالعهد أمراً إلهياً، وكان الإنسان مسؤولاً عن عهده، فكيف يستقيم أن تُرفع الشعارات الإسلامية، بينما تُنقض الالتزامات الدستورية، وتُقوَّض المواثيق التي تنظم الحكم، ويُترك المواطن يبحث عن ضمانات تحمي حياته وحريته وحقوقه؟!
إن العهد في الإسلام ليس مجرد كلمات تُقال عند الحاجة إلى كسب ثقة الناس، ثم يُتجاوز عنها عندما تتعارض مع مصالح أصحاب السلطة.
والميثاق ليس التزاماً مؤقتاً يُحترم ما دام يخدم صاحبه، ثم يُنقض متى تغيّرت موازين القوة.
كما أن الغدر ليس من أخلاق المؤمنين، ولا يجوز تبريره بالمناورات السياسية أو المصالح الحزبية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لكل غادر لواء يوم القيامة».
وهو تحذير نبوي شديد من الغدر، يضع الوفاء والأمانة في موضعهما الصحيح من أخلاق الإسلام ومسؤولية الإنسان أمام الله.
🤔 بالله عليكم كيف لجماعة سياسية جعلت الإسلام عنواناً لمشروعها، ثم تجدها تتعامل مع العهود والمواثيق الدستورية باعتبارها أموراً قابلة للتجاوز كلما اقتضت مصلحتها ذلك؟!
وكيف يُطلب من السودانيين أن يثقوا في تعهّدات جديدة، إذا لم يجدوا ضمانات مؤسسية تمنع تكرار التجارب السابقة؟!
### 💢 الإسلام ليس غطاءً للعنف ولا ترخيصاً للقتل
إن أخطر ما في توظيف الدين سياسياً ليس مجرد التناقض بين الشعارات والممارسات؛ بل تحويل الدين، في وعي بعض الناس، من مرجعية للعدل والرحمة وصيانة الحقوق إلى أداة لتبرير العنف ضد الخصوم.
والقرآن الكريم يقرر حرمة الاعتداء، ويأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
فإذا كان الله يأمر بالعدل حتى مع قوم يحمل المسلم تجاههم البغضاء، فكيف يجوز أن يتحول الخلاف السياسي إلى مبرر للقتل أو التعذيب أو الانتقام أو سلب الحقوق؟!
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وقال عز وجل:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
إن حرمة الدماء ليست امتيازاً يُمنح للمؤيدين ويُحرم منه المعارضون؛ ولا تسقط عن الإنسان لمجرد اختلافه مع الحاكم أو الحزب أو الجماعة التي تملك السلاح.
ولا يجوز أن يُقتل المعارض السياسي لمجرد معارضته، أو يُعذّب المعتقل انتقاماً من موقفه، أو يُستباح المدني بسبب انتمائه السياسي أو الفكري.
كما لا يجوز تحويل مجرد الاتهام إلى حكم بالإدانة، أو اتخاذ الولاء السياسي معياراً لتحديد من يستحق الحماية ومن يجوز الاعتداء عليه.
فلا عصمة لحاكم من المساءلة، ولا قداسة لحزب تمنع نقده، ولا يملك مسلح حقاً في الدماء لم يمنحه الله إياه.
### 🛑 وماذا عن غير المسلمين الذين يعيشون بسلام في الدولة المسلمة؟!
إن خطل بعض الأفكار التي تتستر وراء شعارات «التيار الإسلامي العريض» بشأن الإستبداد بالحكم ومعاداة من يسمونهم بالقحاطة يظهر بصورة أوضح حين يُختزل الإسلام في الولاء السياسي، و يُعامل المخالف لهم باعتباره عدواً لمجرد اختلافه معهم في المنهج أو الفكر.
🫵الشريعة الإسلامية لم تجعل الكُفر أو الاختلاف في الدين، في ذاته، مبرراً للظلم والاعتداء.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من قتل معاهداً لم يَرَحْ رائحة الجنة».
وهذا وعيد شديد في حرمة الاعتداء على من له عهد وأمان.
فإذا كانت الشريعة تأمر بالعدل والإحسان، وتشدّد في حرمة دماء من يعيشون بعهد وأمان، فكيف يجوز الاعتداء على مواطن سوداني مسلم لمجرد أنه يختلف مع حزب أو جماعة سياسية ترفع شعارات الإسلام ؟!
إن الدولة المسلمة التي تحكم بالعدل لا تجعل حماية ورعاية الإنسان رهناً بمعتقده الديني الشخصي أو انتمائه السياسي، بل تلتزم تجاهه بالعهود والحقوق والأمان، وتمنع الظلم والاعتداء.
ومن ثم، فإن قتل المعارضين السياسيين لجماعة الحركة الإسلامية أو تعذيبهم، أو استهداف المدنيين بسبب آرائهم السياسية ، لا يعتبر أمراً مشروعاً لمجرد إلباسه لباساً دينياً، ولا يُغسل أثره بترديد الشعارات الإسلامية.
🤔 أليس من التناقض أن تُرفع راية الإسلام في الخطاب السياسي، بينما يتحول الاختلاف في الرأي إلى سبب للاعتقال أو التعذيب أو القتل؟!
إن الإسلام يأمر بالعدل والقسط والوفاء بالعهد وصيانة الدماء، ولا يمنح جماعة سياسية أو عسكرية حق احتكار الدين أو استخدامه لإسكات خصومها.
والمعيار الحقيقي للإنسان المسلم ليس في كثرة ترديد الشعارات الدينية، بل في مدى الالتزام بما أمر الله به من عدل وأمانة ووفاء، وما نهى عنه من ظلم وغدر واعتداء.
### 🛑 ثالثاً.. المشكلة ليست في تعدد القوات وحده، بل في طبيعة السلطة ومشروعها السياسي
في تقديري، لا يمكن فصل أزمة الثقة في تعهّدات البرهان عن طبيعة السلطة التي تشكّلت منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وعن النفوذ الذي استعادته عناصر من جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار.
لقد قامت تجربة نظام الإنقاذ، منذ انقلاب 1989، على تداخل الحزب والدولة، وتوظيف مؤسسات السلطة لخدمة مشروع سياسي بعينه، مع توسيع نفوذ الأجهزة الأمنية والعسكرية في الحياة العامة.
وبعد ثورة ديسمبر، ظل السؤال قائماً: هل يجري تفكيك بنية التمكين وإعادة بناء دولة المؤسسات، أم يجري إعادة إنتاج أجزاء منها تحت مسميات وظروف جديدة؟!
وفي تقديري، إن عودة عناصر النظام السابق إلى مواقع السلطة والحكم بعد إندلاع الحرب ، بالتزامن مع استمرار الأزمة الدستورية والإنقلاب ، تثير مخاوف جدية من إعادة إنتاج نظام الإنقاذ والحركة الذي خرج السودانيون في ديسمبر 2018 لإزالته.
ويزداد هذا القلق حين تتداخل الأدوار العسكرية والأمنية والسياسية، وتتعدد المجموعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، من دون أن تتوافر للمواطن ضمانات كافية بشأن حدود صلاحياتها وآليات محاسبتها.
🤔 ماذا يعني للمواطن أن يسمع عن ما يسمي بالمقاومة الشعبية والمستنفرين واللجنة الأمنية ومجموعات أخري مسلحة متعددة، بينما يحتاج المواطن إلى أن يعرف من المسؤول عن حمايته، ومن يحاسبه إذا انتهك أحد هؤلاء المسلحين حقوقه؟!
🤔هل نريد دولة تحتكر استخدام السلاح وفق القانون، وتخضع جميع القوات العسكرية لقيادة منضبطة ومساءلة مستقلة؟!
أم نريد واقعاً تتعدد فيه الجهات المسلحة، وتتداخل فيه الولاءات الحزبية والعسكرية، ويصبح فيه أمن المواطن رهناً بهوية المسلح وموقفه السياسي من الحاكم ومن الحكومة؟!
إن جوهر المشكلة ليس مجرد تعدد الأسماء والتشكيلات، بل في غياب الضمانات التي تمنع استخدام السلاح خارج القانون، وتمنع توظيف مؤسسات الدولة لخدمة جماعة أو حزب.
وهكذا تظهر المفارقة بين تعاليم الإسلام التي تأمر بالوفاء والعدل، وبين أي مشروع سياسي يجعل الولاء للجماعة مقدماً على حقوق المواطنين، أو يتعامل مع الخصوم باعتبارهم أعداء يجوز استهدافهم.
### 🛑 رابعاً..
كلما تذكرت ماجري بعد 15 أبريل 2023، يقفز الي ذهني 🫵هذا السؤال:
أين كان الجيش حين احتاج إليه الشعب؟! 🤔
هذا السؤال لا يُطرح لتبرئة الدعم السريع من جرائمه، ولا لتخفيف المسؤولية عن أي طرف مسلح ارتكب انتهاكات بحق المدنيين.
فكل طرف مسؤول عن أفعاله، ولا يجوز أن تكون جرائم طرف ذريعة لتبرئة الطرف الآخر.
ولكن من حق السودانيين أن يسألوا عن أداء الجيش وقيادته، وعن واجب الدولة في حماية المواطنين.
🤔 أين الحماية التي كان ينتظرها المعتصمون أمام القيادة العامة من الجنرال البرهان حين وقعت مجزرة 3 يونيو 2019؟!
🤔 وأين كانت الحماية التي انتظرها سكان ولاية الجزيرة حين اجتاحتها قوات الدعم السريع، ووجد المدنيون أنفسهم أمام موجات من الانتهاكات والنهب والنزوح؟!
🤔 وماذا عن الجنينة وزالنجي والفاشر، وما شهدته هذه المدن من مآسٍ وانتهاكات بحق المدنيين؟!
🤔 وماذا عن سكان الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، الذين واجه كثير منهم الانتهاكات والنهب والنزوح، بينما كانوا ينتظرون من مؤسسات الدولة أن توفر لهم الحماية؟!
🤔 لماذا لايزال الجيش حتي اليوم يعتمد في أداء واجبه الدستوري علي ميليشيات كيكل وخفافيش الظلام ومرتزقة حركات دارفور المسلحة ‼️
هذه أسئلة عن واجب الجيش والدولة، وليست حكماً واحداً على كل واقعة، ولا بديلاً عن التحقيق المستقل في مسؤولية كل جهة عن الانتهاكات التي ارتُكبت.
لكنها أسئلة لا يجوز إسكاتها بالشعارات، ولا اتهام كل من يطرحها بأنه ضد الجيش أو مع الدعم السريع.
فمن حق المواطن أن يسأل عن حماية حياته وبيته وماله، ومن حقه أن يطالب بقيادة عسكرية تتحمل مسؤوليتها أمام الشعب، لا أن يُطلب منه أن يثق ثقة عمياء في كل ما يصدر عنها.
### 💔 وماذا عن مأساة المعدّنين السودانيين في شمال شرق السودان؟!
تأتي مأساة المعدّنين السودانيين الذين تعرضوا للقصف في منطقة التعدين بشمال شرق السودان لتطرح سؤالاً آخر عن مسؤولية الدولة والجنرال قائد الإنقلاب في حماية أرواح المواطنين، و إغاثة المصابين وانتشال الضحايا وستر الموتي ‼️
هؤلاء مواطنون كانوا قد خرجوا الي مناجم الذهب في تلك الصحراء يبحثون عن لقمة عيشهم في ظروف قاسية، فإذا بهم يسقطون قتلى وجرحى، دون أدني حماية او إسعاف ‼️.
🤔 أين كانت الاستجابة الحكومية العاجلة؟!
أين كانت طواقم شرطة الدفاع المدني والإسعاف، والآليات التي يفترض أن تتحرك لإنقاذ المصابين ونقلهم إلى المستشفيات؟!
في غياب اجهزة الدولة، اضطرت قبيلتا الرشايدة والزبيدية، وفق المعلومات المتداولة، إلى حشد نحو 300 سيارة للمشاركة في نجدة المعدّنين، وإجلاء الضحايا، وستر الجثامين، وإسعاف الجرحى.
وهنا لا بد من الإشادة بكل من هبّ لنصرة هؤلاء المواطنين، وتقديم العون لهم في تلك الظروف القاسية.
إن ما قامت به قبيلتي الرشايدة والزبيدية موضع تقدير واعتزاز؛ أما السؤال الذي لا يجوز تجاهله، فهو لماذا اضطر المواطنون إلى سدّ فراغ الاستجابة العاجلة، بينما كان يفترض أن تكون أجهزة الدولة في مقدمة المستجيبين؟!
فالدولة لا تُختبر فقط بقدرتها على حشد القوات والسيطرة على الأرض، بل تُختبر أيضاً بقدرتها على إنقاذ المصابين، وإغاثة المنكوبين، وحماية أرواح الناس حين يتعرضون للخطر.
🤔 وإذا كان المواطن لا يجد الإسعاف حين يُصاب، ولا يجد من ينقذه في الوقت المناسب، فكيف يُطلب منه أن يطمئن إلى أن الدولة قادرة على حماية حياته عند عودته إلى منزله؟!
إن حماية المواطنين ليست منّة من الحاكم، ولا مكافأة لمن يؤيده؛ بل هي واجب الدولة ومسؤوليتها، وهي من أهم الأسباب التي تجعل الناس يقبلون العيش في مجتمع منظم، ويطمئنون إلى مستقبل أسرهم وأبنائهم.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: يرفع بعض أصحاب الخطاب الإسلامي شعارات حماية الدين والوطن، بينما يظل المواطن محتاجاً إلى أن يسأل عن حماية دمه، وكرامته، وحقه في الحياة.
فأين أثر تلك الشعارات حين يحتاج الضعفاء إلى النجدة، وحين يصبح إنقاذ الأرواح واجباً لا يحتمل التأجيل؟!
🫵 أين كان الجيش حين احتاج إليه الشعب؟!
ولماذا يُطلب من السودانيين اليوم أن يعودوا إلى بيوتهم، بينما لا تزال المخاوف قائمة بشأن الأمن والمحاسبة والحريات ومستقبل الحكم في البلاد؟!
### 🛑 خامساً.. الأمن في الإسلام أساس العمران وازدهار الدول والمجتمعات
إن الأمن ليس مجرد شعار سياسي، ولا يعني أن تسكت الأصوات المعارضة، أو أن يخشى المواطن من أجهزة الدولة، أو أن تُفرض الطاعة بالقوة.
الأمن الحقيقي هو أن يطمئن الإنسان على نفسه وأسرته وماله، وأن يمارس حياته من دون خوف من الاعتداء أو التعذيب أو الاعتقال التعسفي، وأن يعرف أن القانون يحميه، وأن القضاء يستطيع إنصافه، وأن اختلافه مع الحاكم لا يعرّض حياته للخطر.
وقد امتنّ الله تعالى على قريش بنعمة الأمن، فقال:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
وجعل الله الأمن من النعم العظيمة التي تستقيم بها حياة الناس، ويتهيأ لهم معها طلب الرزق والعبادة والعلم والعمل.
وقال سبحانه وتعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
والأمن الذي يحتاجه السودان اليوم ليس أمن السلطة وحدها، ولا أمن الحزب أو الجماعة أو القوات المسلحة فحسب؛ بل أمن جميع السودانيين، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومواقفهم السياسية.
فلا استثمار بلا أمن، ولا إنتاج بلا استقرار، ولا تعليم منتظم في ظل الخوف، ولا عودة مستدامة للنازحين إذا كانت أسباب النزوح قائمة.
وكيف يمكن لصاحب رأس المال أن يعيد استثماراته إلى بلد لا يطمئن فيه إلى حماية ممتلكاته؟!
وكيف يستطيع العامل أو صاحب المهنة الحرة أن يعيد بناء حياته، إذا كانت الأسواق ضعيفة، والقدرة الشرائية تتآكل، وتكاليف المعيشة ترتفع باستمرار؟!
وكيف تعود الأسرة إلى منزلها، إذا كانت المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية لا تزال دون الحد الذي يضمن حياة كريمة؟!
وكيف يُنتظر من السودانيين أن يطمئنوا إلى المستقبل، إذا ظل مصير الحكم ومؤسسات الدولة خاضعاً للصراع العسكري والسياسي، بدلاً من الاحتكام إلى الدستور والقانون؟!
إن المساعدات الإنسانية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها إعادة بناء دولة مدمرة، ولا أن تحل محل اقتصاد منتج، ومؤسسات مستقرة، وحكم يخضع للمساءلة.
كما أن السيطرة العسكرية على منطقة لا تعني بالضرورة عودة الحياة إليها؛ فاستعادة المدن شيء، وإعادة بناء الأمن والثقة والخدمات والاقتصاد شيء آخر.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي يخشاها مواطنوها؛ بل الدولة التي يطمئنون إلى عدالتها، ويحتمون بقانونها، ويثقون بأن حقوقهم مصونة فيها.
### 🛑 سادساً.. هل تكفي تعهّدات البرهان لعودة السودانيين؟!
في تقديري، إن إعلان البرهان استعداده للعمل من أجل السلام ينبغي أن يُقاس بما يتبعه من أفعال، لا بمجرد الكلمات التي تضمنتها التغريدة.
فالسودانيون لا يحتاجون إلى تعهّد جديد فحسب؛ بل يحتاجون إلى ضمانات عملية تبدد مخاوفهم، وتعيد إليهم الثقة في الدولة ومؤسساتها.
يحتاجون إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واستعادة الحكم الدستوري، وضمان الحريات، وإنهاء توظيف مؤسسات الدولة لخدمة جماعة أو حزب، وإخضاع جميع القوات والمجموعات المسلحة للقانون والمساءلة.
ويحتاجون إلى دولة لا يُعاقب فيها المواطن بسبب رأيه، ولا يخشى فيها الناشط السياسي على حياته، ولا يضطر فيها صاحب المنزل إلى الاختيار بين البقاء نازحاً أو العودة إلى واقع لا يضمن له الأمن والعيش الكريم.
ويحتاجون إلى مؤسسات تحمي الضعيف قبل القوي، والمعارض قبل المؤيد، والمواطن المسالم بصرف النظر عن دينه أو انتمائه، وتمنع الاعتداء على الناس أو الانتقام منهم بسبب مواقفهم السياسية والفكرية.
ويحتاجون، قبل ذلك كله، إلى أن يكون الوفاء بالعهد قيمة تحكم ممارسة السلطة، لا مجرد عبارة تُستخدم عند مخاطبة الخارج أو استمالة الداخل.
فالجيش الذي يحتاج الشعب إلى أن يحتمي به، لا بد أن يكون جيشاً لكل السودانيين، لا أداة في يد حزب أو جماعة، ولا سلطة فوق الدستور والقانون.
والدولة التي يحتاجها السودانيون ليست دولة تخيّرهم بين الخضوع للسلطة أو البقاء في النزوح واللجوء؛ بل دولة تحمي حقهم في العودة، وحقهم في المعارضة، وحقهم في الحياة الكريمة.
🤔 هل يمكن أن تُبنى الثقة بتعهّدات جديدة، من دون مراجعة سجل التعهّدات السابقة ومساءلة المسؤولين عن نقضها؟!
🤔 وهل يمكن أن يعود الأمن والاستقرار إلى السودان من دون معالجة أسباب الانقلاب والحرب، وإنهاء توظيف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة لخدمة جماعة أو حزب؟!
🤔 وكيف يمكن لمن يرفعون شعارات الإسلام أن يقنعوا الناس بصدق مشروعهم، إذا لم يظهر أثر الوفاء والعدل والرحمة وصيانة الدماء في ممارساتهم السياسية؟!
🤔 أليس من مقتضيات الإيمان أن يكون العهد مسؤولية، والعدل واجباً، وحرمة الدماء أصلاً لا يجوز تجاوزه، حتى مع الخصوم والمخالفين؟!
🫵 إن عودة السودانيين إلى بلادهم لا تبدأ بتغريدة، ولا برسالة إلى رئيس دولة أخرى؛ بل تبدأ حين يطمئن المواطن إلى أن وطنه أصبح آمناً له، وأن الدولة تحميه، وأن القانون فوق الجميع، وأن حريته وحقوقه لا تتوقف على رضى الحاكم عنه.
فهل تحمل تعهّدات البرهان الأخيرة بداية تغيير حقيقي في الممارسة، أم أن السودانيين سيجدون أنفسهم أمام وعود جديدة، بينما تظل أسباب الخوف وانعدام الثقة قائمة؟!
وهل يستطيع السودان أن ينهض ما لم يستعد الأمن القائم على العدل، ويستعد الوفاء بالعهد مكانته، وتُفصل الدولة عن مصالح الأحزاب والجماعات، وتُصان كرامة الإنسان وحرمة دمه، أياً كان دينه أو رأيه أو موقفه السياسي؟!

زر الذهاب إلى الأعلى