
بقلم/ إيهاب الأمين
تعد السياسية السودانية العظيمة الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم رائدة من رواد العمل النسوي والسياسي في الوطن العربي وأفريقيا وواحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ السوداني الحديث. ولدت الأستاذة فاطمة في مدينة الخرطوم عام 1932 ونشأت في أسرة حظيت بقدر عال من التعليم والاستنارة والتدين وكان جدها لأبيها قاضياً شرعياً في عهد الدولة المهدية بينما كان جدها لأمها نائباً له وناظراً لأول مدرسة أولية للبنين في السودان وتميزت والدتها بأنها كانت من أوائل البنات اللواتي تلقين تعليماً مدرسياً بفضل خطوة جريئة من جدها الذي أدخل بناته مدرسة البنين لعدم وجود مدارس مخصصة للبنات حينها أما والدها فقد تخرج في كلية غردون التذكارية وعمل معلماً وتعرض للاضطهاد من إدارة التعليم البريطانية بسبب رفضه تدريس المناهج باللغة الإنجليزية مما دفعه للاستقالة والتحق بالتدريس في المدارس الأهلية. تلقت فاطمة تعليمها الأولي والوسطى في مدارس الخرطوم ثم انتقلت إلى مدرسة أم درمان الثانوية العليا للبنات وخلال فترة دراستها الثانوية ظهر وعيها السياسي والاجتماعي مبكراً حيث قادت أول إضراب نسائي عرفته مدارس البنات في السودان احتجاجاً على حذف بعض المواد العلمية من المنهج وتغييرها بمواد تدبير منزلي كما ساهمت في تلك الفترة في تحرير جريدة حائطية تحمل اسم الرائدة تهتم بحقوق المرأة وارتبطت مهنتها الأساسية بالصحافة والعمل الاجتماعي والسياسي حيث عملت معلمة لفترة لكن شغفها الأكبر كان الكتابة وصناعة الرأي العام وبدأت تنشر مقالاتها في الصحف السودانية مبكراً مستخدمة أسماء مستعارة لتفادي التضييق وفي عام 1955 أسست مجلة صوت المرأة التي أصبحت لسان حال الاتحاد النسائي السوداني وتولت رئاسة تحريرها حيث كانت المجلة منبراً شجاعاً لنقد الاستعمار والقوانين المقيدة لحرية المرأة ومطالبة بتمكينها اقتصادياً واجتماعياً وكانت قد انضمت فاطمة أحمد إبراهيم إلى الحزب الشيوعي السوداني في عام 1954 حيث وجدت في برامجه وتطلعاته السياسية والاجتماعية توافقاً مع رؤيتها لتحرير المجتمع وحماية حقوق الكادحين وتدرجت في مناصب الحزب حتى انتخبت عضوة في اللجنة المركزية للحزب لعدة دورات لتكون من أوائل النساء اللواتي يتبوأن مقاعد قيادية في حزب سياسي على مستوى البلاد والمنطقة وعملت فاطمة من خلال كيانات ومؤسسات عديدة تركت فيها بصمات واضحة فقد شاركت في تأسيس رابطة المرأة السودانية ثم ساهمت بقوة في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952 وتولت رئاسته في الفترة بين عامي 1956 و 1957 وقادت الاتحاد ليكون منظمة جماهيرية مستقلة تطالب بحق المرأة في التصويت والترشح والمساواة في الأجور ومنح الأمومة إجازة وضع مدفوعة الأجر وامتد نشاطها إلى الساحة الدولية حيث انتخبت رئيسا للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي عام 1991 كأول امرأة عربية وأفريقية ومسلمة ومن دول العالم الثالث تشغل هذا المنصب الرفيع وفي عام 1965 حققت فاطمة إنجازاً تاريخياً غير مسبوق عندما انتخبت عضواً في البرلمان السوداني عن دوائر الخريجين لتصبح أول نائبة برلمانية في السودان والشرق الأوسط بأكمله ومثلت حزباً معارضاً قوياً داخل الجهاز التشريعي.
عاشت فاطمة في كنف أسرة تميزت بالعطاء الفكري والسياسي فشقيقها الأكبر هو الشاعر والأديب والدبلوماسي السوداني الراحل صلاح أحمد إبراهيم وشقيقها الآخر هو المهندس مرتضى أحمد إبراهيم الذي شغل منصب وزير الري في فترات سابقة وتزوجت فاطمة من النقابي البارز والشخصية الوطنية المعروفة الشفيع أحمد الشيخ الذي كان سكرتيراً عاماً لاتحاد عمال السودان ونائب رئيس الاتحاد العالمي لنقابات العمال. واجهت الأسرة محنة قاسية ومأساوية في عام 1971 عندما أعدم الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري زوجها الشفيع أحمد الشيخ في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها هاشم العطا وتعرضت فاطمة بعد إعدام زوجها للاعتقال والإقامة الجبرية لسنوات طويلة ومنعت من السفر واضطرت لاحقاً إلى مغادرة السودان والعيش في المنفى الاختياري في بريطانيا حيث واصلت نضالها من الخارج ضد الأنظمة الديكتاتورية ثم عادت إلى السودان بعد توقيع اتفاقيات السلام ودخلت البرلمان مجدداً عام ألفين وخمسة ممثلة للحزب الشيوعي لكنها استقالت لاحقاً.
توفيت فاطمة أحمد إبراهيم في العاصمة البريطانية لندن في 12 أغسطس 2017 عن عمر ناهز خمسة وثمانين عاماً بعد صراع مع المرض ونقل جثمانها من لندن إلى العاصمة السودانية الخرطوم وشيعت في موكب مهيب ووري جثمانها الثرى في مقابر البكري بمدينة أم درمان وسط حضور شعبي وسياسي واسع امتناناً لتاريخها الطويل والحافل قال الناس عنها الكثير عند رحيلها ووصفها رفاقها ومحبوها بأنها أيقونة النضال السوداني ونموذج فريد في الصمود والجسارة والثوب السوداني الذي هز المنابر وامتدح الكتاب والمفكرون نزاهتها ونقاء مسيرتها حيث لم تنحن قامتها ولم تساوم على حقوق شعبها طوال عقود من الملاحقة والتضييق ومن التفاصيل الإضافية البارزة في مسيرتها الحافلة نيلها جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان عام 1993 وحصولها على جائزة ابن رشد لحرية الفكر في برلين عام 2006 تقديراً لشجاعتها ودفاعها المستمر عن الديمقراطية وقضايا النساء.



