
لم يكن الموقف المصري المعادي للشعب السوداني مفاجئاً للمتابعين والمهتمين بالشأن السوداني؛ فالعلاقة المصرية بالسودان ظلت، تاريخياً، محكومة بعقلية الوصاية والنفوذ والتعامل مع السودان باعتباره مجالاً حيوياً تابعاً للقاهرة، لا دولةً مستقلة ذات سيادة وقرار.
فمصر كانت طرفاً في الحكم الثنائي، وما تزال قضية الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين وأم رماد شاهداً حياً على استمرار الإحتلال المصري. كما أن القاهرة ظلت تتعامل مع السودان باعتباره حديقتها الخلفية لتنهب موارده، وتدخلت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسارات سياسية وعسكرية سودانية متعددة، وارتبط اسمها بمواقف معادية لثورات السودانيين وانتفاضاتهم ضد حُكم الجيش والمطالبة بالحرية والديمقراطية ، الأمر الذي جعل موقفها الحالي امتداداً لسياق تاريخي طويل من التدخل في الشأن السوداني.
لكن ما يثير الدهشة والاستغراب حقاً هو الموقف السعودي، الذي تكشفت ملامحه بصورة أكثر وضوحاً بعد خطاب مندوب المملكة العربية السعودية أمام جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن السودان.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن للسعودية أن تصف قوات الدع_م السر_يع بأنها “مليشيا”، وهي القوات ذاتها التي شاركت ضمن التحالف العربي في حرب اليمن، وقدمت تضحيات بشرية كبيرة في إطار ما عُرف بعاصفة الحزم؟
إذا كانت السعودية تنظر إلى تلك القوات باعتبارها قوة غير شرعية ومليشيا، فكيف كانت تتعامل معها عندما كانت تؤدي مهاماً عسكرية ضمن التحالف الذي تقوده المملكة؟ وإذا كانت تعتبرها قوة وطنية مشاركة في تحالف عسكري إقليمي آنذاك وحتى اليوم، فما الذي تغيّر ؟ وهل تغيّر توصيف القوة، أم تغيّرت المصالح السياسية؟
هذه الأسئلة ليست مجرد سجال سياسي، وإنما تكشف عن ازدواجية واضحة في المعايير تستوجب من الرياض تقديم إجابات صريحة للرأي العام السوداني والعربي.
إن السودان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وليس دولةً بلا إرادة حتى تُرسم مستقبلها في العواصم الخارجية. والشعب السوداني الذي دفع ثمناً باهظاً من الدماء والدمار والنزوح لن يقبل أن تتحول بلاده إلى ورقة في صراعات النفوذ الإقليمي.
إن السياسة السعودية الحالية تجاه الأزمة السودانية، في تقديرنا، تنحرف بصورة خطيرة عن الدور الذي كان يُنتظر من المملكة أن تلعبه كدولة عربية ذات ثقل إقليمي؛ فبدلاً من ممارسة ضغط حقيقي على أطراف الحرب لوقف القتال وحماية المدنيين وفتح الطريق أمام حل سياسي شامل، يبدو أن الرياض تنخرط بصورة متزايدة في اصطفافات سياسية وعسكرية لا تخدم جوهر القضية السودانية.
والأخطر من ذلك هو الانحياز إلى جيش الإخوان وحاضنتها السياسية الحركة الإسلامية الإرها_بية على حساب مشروع بناء دولة سودانية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، وإنهاء إرث الدولة المركزية والحروب المتراكمة.
لقد ظللنا صامتين طويلاً أمام مواقف المملكة، على أمل أن تنتصر الحكمة على الحسابات السياسية الضيقة، وأن تنظر الرياض إلى السودان باعتباره شعباً شقيقاً يستحق السلام والاستقرار، لا باعتباره ساحة نفوذ ومصالح.
لكن الصبر لا يعني الصمت إلى ما لا نهاية.
إن محاولة وضع العربة أمام الحصان، وعرقلة مشروع التغيير الجذري، وإعادة إنتاج المنظومة القديمة بأدوات جديدة، لن توقف إرادة السودانيين في بناء دولة جديدة. فالسودان الذي يتطلع إليه شعبه ليس السودان الذي تصنعه غرف القرار الإقليمية، ولا السودان الذي تحدد مستقبله التحالفات الخارجية.
ولذلك نقولها بوضوح:
إن احترام سيادة السودان يبدأ باحترام إرادة شعبه وخياراته، وإن دعم دعم الجيش في الحرب على حساب الشعب السوداني لن يصنع سلاماً، بل سيطيل أمد المأساة ويعمّق الانقسام.
أما السياسة التي تقوم على ازدواجية المعايير، وتبديل المواقف وفقاً للمصلحة، واعتبار القوة نفسها “شريكاً” عندما تخدم أجندة معينة ثم وصفها بـ”المليشيا” عندما تتغير الحسابات، فهي سياسة قصيرة النظر، ولن تصنع للمملكة نفوذاً دائماً ولا احتراماً مستداماً.
وإذا كانت الرياض تريد أن تكون جزءاً من الحل في السودان، فالباب ما زال مفتوحاً: الحياد، واحترام السيادة السودانية، والوقوف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، والضغط من أجل وقف الحرب، وحماية المدنيين، ودعم عملية سياسية سودانية حقيقية لا تعيد إنتاج النظام القديم.
أما إذا اختارت السعودية أن تكون طرفاً في الصراع، وأن تراهن على إعادة إنتاج الماضي وإجهاض مشروع التغيير الجذري، فعليها أن تدرك أن الشعوب لا تُهزم بالمال ولا بالضغوط ولا بالتحالفات.
لقد تغيّر السودان، وتغيّرت معه معادلاته، ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.
وكما يقول المثل: “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت.”
لكن التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تنسى، والسودانيون لن ينسوا من وقف مع إرادتهم في بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة، ومن اختار أن يقف في الجانب الآخر.
هيهات أن يُجهض مشروع التغيير الجذري.
وهيهات أن يُعاد إنتاج الدولة القديمة تحت أي مسمى.
فالسودان الجديد قادم بإرادة شعبه، لا بإرادة العواصم الإقليمية.



