الأعمدة

صور من ماضي الحقب العسكرية التي حكمت السودان !


1 من 3 مقالات
بالطبع، فإن المقارنة بين آليات الحكم المدني، سواء كان انتقالياً قائماً على التوافق أو منتخباً بإرادة الأمة، وبين نظام الحكم العسكري الذي يفرض قيادته وآليات حكمه بالقوة، تبدو واضحة في المنطلق والوسيلة والغاية.
فالحكم العسكري غالباً ما يبدأ بتبريرات تبدو، في ظاهرها، مرتبطة بضرورات استثنائية؛ كدرء الفوضى، أو تجنب انزلاق البلاد إلى هاوية الانهيار الأمني والاقتصادي، أو إنقاذ الدولة من عجز السلطة القائمة.
غير أن التجارب التاريخية تقول إن تلك المبررات قد لا تلبث أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى مبررات جديدة لإطالة عمر الحكم، وتكريس قبضة القوة داخل المجموعة العسكرية التي استولت على السلطة؛ إما بالتخلص من رفاق الانقلاب وإقصائهم، وقد يصل الأمر في بعض التجارب إلى التصفية الجسدية، أو بإجراء ما يمكن تسميته بالإصلاحات الديكورية، كتمديد مظهر مدني محدود للحكم، أو إجراء استفتاء معلومة نتائجه سلفاً، ثم الدخول في جولة أخرى من حكم مجهول الآماد، متفاوت الإنجازات.
وللتذكير، فقد عرف السودان ثلاث تجارب رئيسية للحكم العسكري منذ الاستقلال؛ بدأت بانقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، ثم انقلاب مايو عام 1969، وأعقبتهما تجربة الإنقاذ عام 1989.
ولعل من المفيد، ونحن نستعيد صور تلك الحقب، أن نتوقف أولاً عند تجربة الفريق إبراهيم عبود، التي كانت أقصر التجارب العسكرية الثلاث زمناً، إذ امتدت لنحو ست سنوات، وانتهت بثورة أكتوبر 1964.
وقد كان نظام عبود، في بداياته، أقرب إلى حكم عسكري متجانس استعان بعدد محدود من الكفاءات المدنية فيما عُرف لاحقاً بالتكنوقراط، دون أن يسعى بصورة واضحة إلى إضفاء طابع مدني شكلي على بنيته السياسية أو التشريعية.
ومن الإنصاف أيضاً أن نقول إن ذلك النظام وجد أمامه ظروفاً اقتصادية مواتية، خاصة في ظل قوة بعض الصادرات الزراعية السودانية، وفي مقدمتها القطن، وما وفرته من موارد ساعدت الدولة على تنفيذ عدد من المشروعات التنموية والخدمية.
فشهدت تلك الحقبة قيام مشروعات في مجالات الصناعة والزراعة، من مصانع السكر وتجفيف الألبان وتصنيع الفواكه، إلى استكمال امتداد مشروع المناقل، إلى جانب توسع الدولة في مجالات الإعلام والثقافة والفنون، بإنشاء التلفزيون، وبناء المسرح القومي، وتطوير دور الرياضة، وتكثيف رعاية الدولة للفنون والآداب والأنشطة الرياضية والترفيهية.
وقد انعكست تلك الظروف والمشروعات، بدرجات متفاوتة، على مستوى معيشة الناس وعلى قطاعات التعليم والصحة والتوظيف والخدمات، الأمر الذي يجعل من غير المنصف اختزال تلك الحقبة في الجانب السياسي وحده.
لكن المشكلة الكبرى كانت في الجانب الآخر من المعادلة؛ فالتنمية والخدمات، مهما بلغت، لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن الحرية.
فقد ضُيّقت مساحات النشاط السياسي، وتعرضت الأحزاب والنقابات والصحافة لقيود واضحة، وظلت الحياة العامة تفتقد المجال الطبيعي الذي يتيح للمجتمع التعبير عن رأيه ومحاسبة السلطة.
وهنا تبرز واحدة من أهم دروس تلك التجربة: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
فقد يكون الرخاء الاقتصادي مطلوباً، وقد تكون المشروعات التنموية ضرورة، وقد يحتاج الناس إلى الأمن والاستقرار، لكن الإنسان يحتاج، في الوقت نفسه، إلى أن يشعر بأنه شريك في وطنه، لا مجرد متلقٍ لما تقدمه له السلطة.
ولم تكن قضية الجنوب أقل أهمية في سقوط النظام؛ فقد تصاعدت حركة التمرد، ولم تستطع المعالجة الأمنية وحدها أن تضع حداً للأزمة أو تقدم حلاً سياسياً مستداماً لها، حتى أصبحت القضية الجنوبية واحدة من العوامل التي أثقلت كاهل النظام، وأسهمت في اتساع الفجوة بين السلطة والشارع.
ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964، لتثبت أن غياب الحريات السياسية، مهما صاحبه من إنجازات اقتصادية وخدمية، يمكن أن يتحول في لحظة ما إلى قشة تقصم ظهر النظام.
وهكذا انتهت أولى التجارب العسكرية الكبرى في السودان، لا لأن كل ما أنجزته كان سيئاً، ولا لأن كل ما فعلته كان بلا قيمة، وإنما لأن معادلة الحكم لا تقوم على التنمية وحدها، ولا على الأمن وحده، ولا على القوة وحدها؛ وإنما تحتاج إلى شرعية سياسية وحريات عامة وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع.
وفي الحلقات التالية، بإذن الله، نواصل المرور على صور الحكم العسكري اللاحق في السودان، لنرى كيف اختلفت الوجوه والظروف، وكيف تشابهت بعض الأدوات، وكيف تحولت في كل تجربة مبررات الوصول إلى السلطة إلى اختبارات جديدة للبقاء فيها.
والله من وراء القصد، وهو المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى