
الباشا طبيق
يكتب ✍️/
إن الخطاب الذي قدّمته مندوبة دولة الإمارات العربية المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي عابر، وإنما كشف بوضوح عن فارق كبير في الرؤية السياسية بين من يتعامل مع الأزمة السودانية بعقل استراتيجي، ومن يصرّ على قراءتها من خلال حسابات النفوذ والمصالح الضيقة.
لقد اتسم الخطاب الإماراتي بالهدوء والاتزان واللغة الدبلوماسية الرصينة، وابتعد عن المزايدات السياسية ومحاولات فرض الوصاية على السودانيين. والأهم من ذلك أنه عكس فهماً لطبيعة الأزمة السودانية باعتبارها أزمة عميقة تتطلب معالجة جذورها، لا مجرد دعم طرف عسكري على حساب طرف آخر.
وهنا يبرز السؤال: أين تقف المواقف السعودية والمصرية من هذه المعادلة؟
إن الموقف السعودي، رغم ما تحاول الرياض تقديمه من نفسها باعتبارها طرفاً يسعى إلى السلام والاستقرار، يحتاج إلى مراجعة جادة؛ لأن السلام لا يمكن أن يكون انتقائياً، ولا يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي لمساندة طرف سوداني على حساب الشعب السوداني.
أما مصر، فإن موقفها تجاه السودان يبدو أكثر وضوحاً في ارتباطه بحسابات الأمن القومي والنفوذ الإقليمي ومصالح الدولة المصرية، وليس بالضرورة بالمصلحة الوطنية السودانية وحدها. فالقاهرة تنظر إلى السودان من زاوية استراتيجية ضيقة مرتبطة بالحدود والمياه والأمن والنفوذ، وهو أمر مفهوم من منظور مصالحها، لكنه لا يمنحها الحق في التعامل مع السودان باعتباره حديقة خلفية أو مجالاً حصرياً لنفوذها السياسي والأمني.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض المواقف الإقليمية تحاول اختزال السودان في مؤسسات أو قوى بعينها، وكأن الشعب السوداني لا يملك حق اختيار مستقبله، وكأن الدولة السودانية لا يمكن أن تكون إلا امتداداً لمعادلات الماضي.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الموقف الإماراتي الذي اختار لغة مختلفة: لغة الدولة التي تدرك أن الشعوب باقية، بينما الحكومات تتغير، وأن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الإنسان ومستقبل الدولة، لا على سلطة مؤقتة أو تحالف عسكري قابل للتبدل.
إن السودان ليس ملكاً للقاهرة، وليس تابعاً للرياض، وليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
السودان للسودانيين.
ومن حق الشعب السوداني أن يختار شكل دولته ونظام حكمه ومستقبله السياسي دون وصاية من أي عاصمة عربية أو إقليمية.
أما محاولة فرض تصورات سياسية جاهزة على السودانيين، أو دعم مسارات لا تعالج جذور الأزمة، أو التعامل مع الحرب باعتبارها مجرد صراع بين طرفين عسكريين، فهي قراءة قاصرة لا تساعد على صناعة السلام، وإنما قد تساهم في إطالة أمد الأزمة.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الدبلوماسية ليست بالصوت المرتفع، ولا بكثرة البيانات، ولا باستعراض التحالفات. الدبلوماسية الحقيقية هي القدرة على فهم اللحظة التاريخية، وقراءة مصالح الشعوب، والتعامل مع الأزمات بقدر من الحكمة والمسؤولية.
وهذا تحديداً ما بدا أكثر وضوحاً في الخطاب الإماراتي أمام مجلس الأمن.
لقد تحدثت الإمارات بلغة الدولة التي تريد أن تُظهر أنها تفكر في المستقبل، بينما ما تزال بعض العواصم العربية أسيرة حسابات النفوذ القديمة، وكأن السودان لم يتغير، وكأن الشعب السوداني لا يملك ذاكرة، وكأن عقوداً من الوصاية والتدخلات لم تكن كافية لإثبات فشل هذا النهج.
أما الموقف المصري، فعليه أن يدرك أن السودان الجديد لن يكون السودان الذي عرفته القاهرة لعقود.
وأما السعودية، فعليها أن تدرك أن الحديث عن السلام لا يكتسب مصداقيته بمجرد استخدام مفردات السلام في البيانات، وإنما بالوقوف على مسافة واحدة من الأطراف، واحترام إرادة السودانيين، وعدم تحويل الملف السوداني إلى ورقة ضمن صراع النفوذ الإقليمي.
لقد تغير السودان، وتغيرت موازين القوى، وتغيرت الشعوب، ولم يعد مقبولاً أن تتحدث عواصم الإقليم باسم السودانيين أو أن تحدد لهم شكل مستقبلهم.
ومن يظن أن بإمكانه صناعة السودان على مقاس مصالحه الإقليمية، فهو لم يفهم السودان بعد.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول العربية في السودان هو أن تتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة لتعزيز النفوذ، أو أن تختار طرفاً سودانياً وتراهن عليه باعتباره الضامن لمصالحها. فهذا النهج لا يصنع دولة مستقرة، بل يصنع دولة أكثر هشاشة وأكثر قابلية للانفجار.
السودان يحتاج إلى شراكات لا وصاية، وإلى دعم لا تبعية، وإلى سلام لا صفقات، وإلى علاقات متوازنة مع الجميع دون ارتهان لأحد.
ومن هنا فإن الفارق بين الخطاب الإماراتي والمواقف السعودية والمصرية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خلافاً في اللهجة الدبلوماسية فقط، بل باعتباره اختلافاً في طريقة النظر إلى السودان نفسه: هل هو شعب صاحب إرادة ودولة ذات سيادة؟ أم مجرد ملف أمني وسياسي تتقاسمه عواصم الإقليم وفقاً لمصالحها؟
إننا نرحب بكل دولة تقف إلى جانب الشعب السوداني، ونحترم كل موقف عربي أو دولي يدعم السلام الحقيقي، لكننا في الوقت ذاته نقولها بوضوح:
لا للسودان التابع، لا للسودان الذي يُدار من الخارج، ولا للسودان الذي يُختزل في مصالح القاهرة أو الرياض أو غيرهما.
السودان الجديد يجب أن يبني علاقاته مع الجميع من موقع الندية والاحترام المتبادل.
وهنا تكمن الرسالة الأهم:
من أراد أن يكون صديقاً للسودان، فليكن صديقاً للشعب السوداني أولاً، لا صديقاً لمن يحكمه.
فالتاريخ لا يرحم المواقف الانتهازية، والشعوب لا تنسى من وقف معها ومن وقف ضدها، والمستقبل لن يكون ملكاً لمن يرفع صوته أكثر، وإنما لمن يمتلك الرؤية والشجاعة والحكمة والقدرة على احترام إرادة الشعوب.



