الأعمدة

بيان حكومة بورتسودان التصعيدي ضد واشنطن واستدعاء الكباشي دون البرهان.. هل تراهن واشنطن على بديل للبرهان ؟

أواب عزام البوشي
في تطور يعكس تصاعد حدة المواجهة بين سلطة بورتسودان والإدارة الأمريكية، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بياناً وصفت فيه العقوبات الأمريكية بأنها “غير قانونية”، مؤكدة أن واشنطن لم تقدم أي أدلة يعتد بها على اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وأن دوافع هذه العقوبات “سياسية محضة”. هذا البيان التصعيدي، الذي يتزامن مع استمرار الخلاف حول مقترح السلام الأمريكي، يضع السودان في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، في وقت بلغت فيه الثقة بين الطرفين أدنى مستوياتها، وكشفت فيه مصادر مطلعة عن ترتيبات سياسية كبرى يعتزم البرهان المضي فيها، تشمل حل مجلس السيادة والتحول إلى نظام رئاسي.
البيان التصعيدي.. مغامرة خارجية تدفع السودان نحو الهاوية :-
في قراءتي للبيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية السودانية، أرى أنه يعكس نظرية المؤامرة الخارجية التي تتبعها حكومة بورتسودان باستمرار. فهذه الحكومة تحاول دوماً تصدير أزمتها إلى الخارج عبر خطاب تصعيدي ضد المجتمع الدولي، في محاولة لتحويل الأنظار عن فشلها في إدارة الدولة وإنهاء الحرب.
لكن هذه النظرية، في تقديري، لن تجني سوى المزيد من العزلة والعقوبات. فالخطاب التصعيدي ضد واشنطن، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية، ليس سوى دليل إضافي على أن سلطة بورتسودان تتعنت أكثر من اللازم، وتصر على مواجهة المجتمع الدولي بدلاً من البحث عن مخارج سياسية. وهذا التعنت يؤكد أن حكومة البرهان تقترب بسرعة من تطبيق “البند السابع” عليها.
واشنطن لا تثق بالبرهان.. لماذا؟
في تقديري، فإن واشنطن لم تعد تنظر إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان كشريك موثوق، بل كجزء من المشكلة ذاتها. الإدارة الأمريكية تعتبر البرهان شخصاً “لا يمكن الوثوق به”، لا يلتزم بتعهداته واتفاقياته، تماماً كما حدث في مفاوضات جدة التي تعثرت مراراً بسبب تمسكه بشرط الانسحاب الكامل للدعم السريع.
الأسباب التي جعلت واشنطن تفقد الثقة بالبرهان :-
أولاً: تحالف الجيش مع الإسلاميين
تأكدت واشنطن من أن البرهان أصبح أداة لتنفيذ أجندة التيار الإسلامي داخل الجيش. فالقوات المسلحة تضم في صفوفها عناصر من جماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها واشنطن منظمة إرهابية.
ثانياً: المخطط لتمديد الحكم.. اجتماع أسمرا يؤكد المخاوف
كشفت مصادر مطلعة أن زيارة البرهان الأخيرة إلى أسمرا لم تكن بروتوكولية، بل شكلت منصة لعقد اجتماعات مكثفة مع قيادات إسلامية بارزة وضباط عسكريين سابقين، لمناقشة ملامح المرحلة القادمة. وتؤكد المصادر أن هذه الترتيبات تشمل حل مجلس السيادة الانتقالي، تمهيداً للتحول إلى نظام جمهوري يتولى فيه البرهان منصب رئيس الجمهورية. هذا التحرك يؤكد أن الرجل يمضي في تثبيت حكمه الفردي، بعيداً عن أي انتقال سياسي حقيقي.
ثالثاً: دخول البرهان في مواجهة مباشرة
وصف البرهان للمقترح الأمريكي سابقآ بأنه “أسوأ ورقة منذ بداية الحرب” يؤكد أنه دخل في مواجهة مفتوحة مع واشنطن، في رسالة واضحة بأن البرهان لن يقبل بأي ترتيبات تُقلّص نفوذه أو تهدد تحالفاته مع الإسلاميين.
الإسلاميون يورطون البرهان.. والمماطلة تقرب نهايته :-
لا شك أن تحدي واشنطن لن يمر بشكل عادي، والإسلاميون يدركون ذلك جيداً. لكنهم مع ذلك يواصلون دفع البرهان نحو مزيد من التصعيد والمماطلة، في محاولة لاستخدامه كدرع بشري في مواجهتهم مع المجتمع الدولي. وفي تقديري، فإن الإسلاميين، الذين يدركون أن استمرار الحرب يخدم أجندتهم في إعادة التموضع داخل الدولة، يورطون البرهان في مماطلة مطولة سوف تجعل نهايته أقرب مما يتصور.
فالإسلاميون، وهم الأكثر خبرة في لعبة السياسة السودانية، يعرفون أن المواجهة المفتوحة مع واشنطن لا يمكن أن تنتهي بانتصارهم، لكنهم يراهنون على إطالة أمدها لكسب مزيد من الوقت لترتيب أوضاعهم داخل المؤسسة العسكرية. وفي هذه اللعبة الخطيرة، يظل البرهان هو الورقة الأكثر قابلية للحرق، ولا شك أن الإسلاميين، في مرحلة معينة من الضغوط، قد يتنازلون عن البرهان إذا رأوا أن استمراره يهدد وجودهم بالكامل، تاركين إياه وحيداً في مواجهة تداعيات سياساته التي قادوه إليها.
استدعاء الكباشي دون البرهان.. رسالة أمريكية بلهجة الإنذار الأخير :-
في خطوة تحمل دلالات عميقة، وجّهت واشنطن الدعوة إلى الفريق أول شمس الدين الكباشي، نائب القائد العام للجيش سابقاً، دون البرهان. هذا التوجه يعكس إستراتيجية أمريكية جديدة تقوم على :
الترهيب والتفكيك: واشنطن تريد إرسال رسالة إلى القيادة العسكرية أن لا أحد فوق المساءلة، وأنه يمكنها التعامل مع شخصيات أخرى أكثر مرونة من البرهان.
اختبار ولاء القيادة العسكرية: استدعاء الكباشي يهدف إلى اختبار مدى التماسك داخل المؤسسة العسكرية، وهل هناك قيادات مستعدة للانخراط في مسار سلام مختلف عن رؤية البرهان.
الضغط على البرهان: الدعوة إلى الكباشي وحده هي رسالة للبرهان بأنه أصبح في موقع ضعف، وأن واشنطن تبحث عن بدائل داخله.
الكباشي.. صوت الانفتاح واتفاق المنامة :-
ما يعزز قراءتي بأن واشنطن تراهن على شخصيات عسكرية بديلة، هو الموقف المعروف للفريق كباشي. ففي الوقت الذي يتشدد فيه البرهان، يُنظر إلى كباشي كأحد الأصوات الداعية إلى السلام. والأهم من ذلك أن كباشي وقع على اتفاق المنامة، وهو الاتفاق الذي بسببه كسب عداء الإسلاميين، لأنهم اعتبروه خروجاً عن خط الجماعة وتفريطاً في مكاسبهم السياسية والعسكرية.
هذا العداء الذي أثارته خطوة كباشي يجعله، في نظر واشنطن، الخيار الأنسب للتعامل معه، لأنه أثبت استعداده للمضي في مسار مختلف عن التيار الإسلامي المتشدد. وتوقيع كباشي على اتفاق المنامة هو، في جوهره، إعلان انفصال عن خطاب التصعيد الذي يقوده البرهان، وخطوة نحو سلام قد يكون ثمنها خصومة مع الإسلاميين الذين يرون في أي تسوية سياسية تهديداً لمشروعهم.
واللافت أن البرهان كان قد أصدر في أبريل الماضي قرارات بإلغاء منصب نائب القائد العام للجيش، وإعادة توزيع المهام، حيث تم تعيين كباشي مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي. هذه التغييرات قد تكون قرأتها واشنطن كمؤشر على وجود شرخ داخل القيادة العسكرية.
هل تراهن واشنطن على انشقاق داخل الجيش؟
السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تهدف واشنطن إلى خلق انشقاق داخل تحالف البرهان ؟ في تحليلي، واشنطن تحاول:
1. فض الشراكة بين الجيش والإخوان: الخطوة الأساسية التي تريدها واشنطن هي إبعاد التيار الإسلامي عن مفاصل القرار العسكري، وهذا ما يعارضه البرهان، وتؤكد ترتيباته في أسمرا أنه ماضٍ في تعزيز هذه الشراكة.
2. خلق حالة من التردد داخل القيادة العسكرية: بتوجيه الدعوة إلى الكباشي، تريد واشنطن زرع بذور الشك لدى البرهان في ولاء قياداته.
3. الاستعداد لمرحلة ما بعد البرهان: واشنطن تدرك أن استمرار البرهان يعني استمرار الحرب والعزلة، لذلك تستعد لسيناريو انتقالي بقيادات عسكرية أقل تشدداً.
السودان في مفترق طرق :-
بيان بورتسودان التصعيدي، واستدعاء الكباشي دون البرهان، وترتيبات البرهان في أسمرا لحل مجلس السيادة، كلها مؤشرات على أن السودان يقترب من نقطة اللاعودة. البرهان، بإصراره على تحدي واشنطن وتمسكه بتحالفاته مع الإسلاميين، يدفع البلاد نحو عزلة دولية خانقة.
والمؤكد أن الإسلاميين، الذين يورطون البرهان في هذه المماطلة، سيكونون أول المتخلين عنه عندما تشتد الضغوط، لأن بقاءهم في اللعبة السياسية أهم عندهم من بقاء أي فرد. والبرهان، الذي راهن على دعمهم في مواجهة واشنطن، قد يكتشف يوماً أنهم كانوا يدفعون به نحو حافة الهاوية، تاركين إياه وحيداً عندما يحين وقت دفع الفاتورة.
السؤال الذي يبقى معلقاً: هل سيدرك البرهان متأخراً أنه مجرد رقعة شطرنج في لعبة الإسلاميين، أم أن نهايته ستكون أقرب مما يتصور، تماماً كما حدث مع كل من راهن على الإسلاميين في السودان ثم تخلى عنه عندما احتاجوا إلى تغيير الأوراق؟والبشر تم التخلي عنه و إبعادها من أجل بقاء المشروع الاسلامي
المقال القادم :-
البرهان في أسمرة.. من هو القائد العسكري البارز الذي التقاه؟ ولماذا يُوصف بأنه مهندس التخطيط والعقل المدبر لخطط الحركة الإسلامية؟ وما دلالات هذا اللقاء وتوقيته؟
#السودان

زر الذهاب إلى الأعلى