
عبد الكريم البليخ
ليست المشكلة أن يدخل إلى الصحافة من لا يملك أدواتها؛ فالأبواب مفتوحة للتعلّم، والتجربة حق للجميع. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الجهل إلى ادّعاء، والفراغ إلى صخب، والعجز إلى سلطة وهمية على الناس.
هناك من لا يستطيع بناء فقرة سليمة، ولا يميّز بين الخبر والرأي، ولا يمتلك لغةً تسعفه، ومع ذلك يخرج على الناس بوجه“الصحفي”، ويمارس دور “المثقف”، ويجلس في هيئة من يوزع الشهادات على الآخرين، فيرفع هذا ويطعن ذاك، كأن المهنة أصبحت رخصة تُمنح بالصوت العالي لا بالكفاءة. وهؤلاء تحديداً هم أكثر من يحتاج إلى الوقوف أمام المرآة.
فمن المؤسف أن ترى شخصاً تُكتب له منشوراته، وتُجمع له مواده، ويُهيأ له ما ينشر، ثم يتصدر المشهد مزهواً، كأنه صاحب الإنجاز من أوله إلى آخره. والأسوأ من ذلك أنه لا يكتفي بهذا التمثيل، بل يبدأ بمحاكمة أصحاب الأقلام الحقيقية، والتقليل من خبراتهم، والطعن بقدراتهم، وكأن إسقاط الآخرين يمنحه قامة لا يملكها.
إنها عقدة النقص حين تلبس ربطة عنق ثقافية.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم الناس. وصاحب التجربة لا يخاف من تجارب غيره. والمثقف الحقيقي لا يعيش على النميمة، ولا يقتات على التشكيك، ولا يصعد عبر أكتاف من يطعنهم في الخفاء.
لكن المدّعي يفعل كل ذلك. يتحدث عن النزاهة وهو يعيش على المجاملة. يهاجم التملق وهو يحفظ أسماء أصحاب النفوذ واحداً واحداً. يرفع شعار الكرامة، ثم يبدّل مواقفه بحسب الباب الذي قد يُفتح له. يكثر الحديث عن المبادئ، فيما مبادئه مطاطة، تتسع لكل مصلحة، وتضيق أمام كل صاحب حق.
ومثل هؤلاء لا يبحثون غالباً عن الصحافة لذاتها.
هم يبحثون عن وجاهة. عن لقب. عن صورة.
عن كرسي في الصف الأول.
عن فرصة لأن يُقال: “الأستاذ الصحفي”، حتى لو كان الأستاذ عاجزاً عن كتابة عنوان من دون مساعدة.
وبعضهم يريد أكثر من ذلك: يريد أن يصنع حول نفسه هالة، ثم يستخدمها في العلاقات والمنافع والابتزاز المعنوي، وربما المادي. وحين يشعر بأن هناك من يراه على حقيقته، يبدأ الهجوم، لأن أكثر ما يخيف المدّعي ليس خصمه، بل من يعرف حجمه. الصحافة ليست مهنة للزينة. وليست غطاءً للنقص. وليست منصة لتصفية الحسابات.
هي معرفة ومسؤولية وشرف مهني، ومن لا يملك هذه الأشياء لا تمنحه صفحة فيسبوك صفة الصحفي، ولا تمنحه كثرة المنشورات صفة الكاتب، ولا تمنحه كثرة العلاقات صفة المثقف.
قد ينجح المدّعي في خداع بعض الناس زمناً، لكن الزمن عدو الأقنعة.
فاللغة تفضح صاحبها، والموقف يكشف معدنه، والتاريخ لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ الأثر. أما الذين يرتفع صوتهم فوق حجمهم، فلا يعني أنهم كبار.
فبعض البراميل لا تُسمع إلا لأنها فارغة. ويمكرون، والله خير الماكرين.
عبد الكريم البليخ



