الأعمدة

الحرية وكرامة الإنسان هي جوهر القضية.. لا لدولة الكراهية والإستعلاء العرقي؟!

الباشا طبيق
يكتب✍️/
إن القضية السودانية في جوهرها ليست مجرد صراع على السلطة، ولا معركة بين جنرال وآخر، ولا خلافًا عابرًا يمكن حسمه بتسوية سياسية مؤقتة؛ وإنما هي معركة تاريخية من أجل الحرية والكرامة الإنسانية والمواطنة المتساوية، ومعركة من أجل إنهاء منظومة كاملة قامت لعقود على التهميش والاستعلاء والتمييز والإقصاء.
فالإنسان الذي يُطلب منه أن يعيش ذليلًا، مهمشًا، منزوع الحقوق والكرامة، وأن يقبل بأن يُعامل باعتباره مواطنًا من الدرجة الثانية، إنما يُطلب منه عمليًا أن يتنازل عن إنسانيته وعن التكريم الذي منحه الله له. فقد كرّم الله الإنسان وفضّله، ولم يجعل الكرامة حكرًا على عرق أو قبيلة أو إقليم أو جماعة سياسية.
ومن هنا، فإن خطاب الكراهية والاستعلاء العرقي الذي نسمعه من بعض قيادات المؤسسة العسكرية، ومن بينهم ياسر العطا، والذي تضمن أوصافًا مهينة لشعوب سودانية، ووصل إلى استخدام تعبيرات من قبيل «أم كعوكات»، فضلًا عن الحديث عن إبادة ما يُسمى بـ«الحواضن» والتحريض على قتل النساء والأطفال، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد زلة لسان أو خطابًا عسكريًا عابرًا.
إنها مشكلة سياسية وأخلاقية ووطنية عميقة.
عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية عرقية، وعندما يتحول المواطن إلى «حاضنة» مستهدفة، وعندما يصبح قتل النساء والأطفال جزءًا من خطاب التحريض، فإننا نكون أمام انهيار خطير لفكرة الدولة نفسها.
الدولة لا تُبنى بمنطق الانتقام، ولا تُحكم بلغة الإبادة، ولا تُحفظ وحدتها بإهانة شعوبها. ومن يعتقد أن بإمكانه بناء السودان بالقوة العسكرية، بينما ينظر إلى قطاعات واسعة من شعبه باعتبارها عدوًا أو «حشرات»، فهو لا يدافع عن الدولة، وإنما يساهم في هدم ما تبقى من مفهوم الدولة والوطن.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن استمرار الدولة القديمة بذات عقلية المركز والهامش، وذات أدوات الإقصاء والاستعلاء، لن يقود إلا إلى المزيد من الحروب. وما حدث منذ الاستقلال ليس سلسلة أزمات منفصلة، وإنما نتيجة تراكم تاريخي لغياب العدالة والمواطنة المتساوية وسوء توزيع السلطة والثروة واحتكار مؤسسات الدولة من قبل مجموعات محددة.
ولهذا فإن الحديث عن العودة إلى السودان الذي كان قائمًا قبل 15 أبريل ليس حلًا، بل محاولة لإعادة إنتاج الأسباب التي صنعت الكارثة.
لن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.
نحن لا نريد إعادة ترميم دولة أنتجت الحروب، ولا إعادة تدوير النخب التي صنعت الأزمات، ولا بناء سلام هش فوق ركام المظالم القديمة. المطلوب هو تأسيس دولة سودانية جديدة لنج؛ دولة لا يكون فيها الانتماء الجهوي أو القبلي أو العرقي معيارًا للحقوق، ولا تكون فيها المؤسسة العسكرية فوق المجتمع، ولا تكون فيها السلطة امتيازًا لمجموعة دون أخرى.
نريد دولة يكون معيارها الوحيد هو المواطنة.
دولة يكون فيها الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط متساوين، وتتساوى فيها القبائل والمكونات الاجتماعية، ويتساوى فيها الغني والفقير، والرجل والمرأة، والمسلم والمسيحي، وكل أبناء السودان أمام القانون.
إن كرامة الإنسان ليست قضية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب؛ بل هي جوهر السلام نفسه. فلا سلام مع الإهانة، ولا وحدة مع التمييز، ولا دولة مع العنصرية، ولا مستقبل مع خطاب الإبادة والكراهية.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست ضد أشخاص بعينهم، وإنما ضد العقلية التي تنتج الاستعلاء والعنصرية والتهميش والإبادة السياسية والاجتماعية. ومن يريد سودانًا موحدًا فعليه أن يقبل أولًا بمبدأ المساواة الكاملة بين السودانيين.
أما من يريد سودانًا على مقاس مجموعة واحدة، أو جيشًا يحكم شعبًا، أو دولةً تُبنى على الخوف والرصاص والكراهية، فليعلم أن هذا المشروع قد استنفد تاريخه، وأن الشعوب التي ذاقت مرارة التهميش لن تقبل بعد اليوم أن تعود إلى القفص نفسه.
السودان الجديد الذي ننشده ليس دولة انتقام، بل دولة عدالة. وليس دولة إقصاء، بل دولة مواطنة. وليس دولة استعلاء، بل دولة كرامة.
هذه هي القضية.
الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية ليست شعارات؛ إنها الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الدولة السودانية الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى