


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد متكرر يوثّق الناشط “ود المصطفى” – وهو شرطي سوداني متقاعد يعيش حالياً خارج السودان، ودرج عبر منصاته على بث فيديوهات تكشف وقائع فساد أينما وردته، وإن كان مصدر هذه الفيديوهات تحديداً غير واضح لنا – وقائع ابتزاز يمارسها بعض أفراد شرطة المرور ضد مواطنين آمنين، بمخالفات وهمية تُختلق للضغط عليهم مقابل رشوة تُنهي “المشكلة”. هذا التوثيق، الذي كان يُفترض أن يُستقبل باعتباره فعل إصلاح يخدم الصالح العام، قوبل بدلاً من ذلك بفتوى منسوبة” للمدعو” الشيخ الدكتور أحمد مالك تُجرّم الفاضح لا الفاسد، بدعوى أن الدين قائم على الستر والنصيحة، وأن كشف الفساد لا يجوز. وهذا الادعاء، حين يُفحص بميزان الشرع والقانون معاً، يتهاوى من أساسه، ويكشف عن خلط خطير بين مفهومين مختلفين تماماً: ستر العورة الشخصية، وستر الجريمة العامة.
فالستر في الفقه الإسلامي أصله في الذنوب الشخصية الخاصة التي لا يتعدى ضررها صاحبها، كمن يقع في معصية فردية ويتوب منها سراً بينه وبين ربه. أما الرشوة التي يتقاضاها موظف عام من مال الناس فهي على النقيض تماماً: جريمة مالية علنية يمارسها شخص بصفته الرسمية لا بصفته الفردية، واعتداء مباشر على حق الغير المكتسب بكدّه وعرقه، وإفساد لمنظومة العدل ذاتها التي أُنشئت أصلاً لحماية الناس منها. والقاعدة الفقهية الراسخة تقول إنه لا حرمة لمستتر بمعصية إذا جاهر بها، والمرتشي هنا لم يستتر أصلاً، فعله وقع في الشارع العام أمام المارة، فكيف يُطلب من الضحية أو الشاهد أن يستر جريمة ارتُكبت جهاراً؟
بل إن النصوص الشرعية ذاتها تنقض هذا الادعاء لا تؤيده. فالقرآن يقول: “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم” (النساء: 148)، والمواطن المبتز مظلوم له الجهر بمظلمته. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يشترط السرية، بل جعل الإنكار العلني درجة من درجاته حين يتعذر التغيير باليد. وما عُرف في علم الحديث بـ”الجرح والتعديل” أجاز فيه العلماء ذكر عيوب الرواة علانية حماية للأمة من الكذب، فكيف بحماية أموال الناس من النهب؟ وسيرة عمر بن الخطاب في محاسبة ولاته علناً أمام الرعية تؤسس لمبدأ الرقابة الشعبية على السلطة، لا لتكميم أفواه من يراقبها.
وحين يفترض صاحب الفتوى أن النصيحة السرية هي الطريق الوحيد المشروع، فهو يتجاهل أنها تفترض وجود جهة تستجيب لها، وتوقف الضرر أثناء انتظار تلك الاستجابة، وأن يكون الخلل فردياً لا مؤسسياً متكرراً. وحين يكون الفساد ممنهجاً ومحمياً، كما هو حال جزء من شرطة المرور في السودان، تتحول النصيحة السرية إلى أداة تأجيل للمحاسبة بدل تحقيقها، بينما يخلق التوثيق العلني رادعاً حقيقياً ويمنح ضحايا آخرين شجاعة الإبلاغ عن تجاربهم.
وما يجعل هذا الخلل أعمق من كونه مجرد سوء تقدير فقهي، هو أن التصريح يتعامل مع الرشوة كأنها مسألة أخلاقية بحتة تحتمل التستر، متجاهلاً أنها جريمة جنائية موصوفة بنص قانوني صريح في السودان نفسه، بل وأن القانون ذاته لا يكتفي بتجريمها، وإنما يوجب على المواطنين المساعدة في كشفها. فالمادة 88 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 تندرج ضمن جرائم الرشوة المتعلقة بالموظف العام أو المستخدم، وتكتمل أركانها في حالات عدة، من أبرزها أن يطلب الموظف العام أو وكيله من شخص آخر عرض جزء من أي نوع من المنفعة مقابل أداء خدمة له فيها مصلحة، أو أن يكون الدافع لهذا العرض إلحاق ضرر بشخص آخر بما يخل بواجبات الوظيفة، أو أن تكون العطية المقدَّمة للموظف من طبيعة يُرجَّح معها أنها أثّرت على قراره الوظيفي. وقد طُبّقت هذه المادة فعلياً في أحكام قضائية صدرت بالسجن والجلد ومصادرة مبلغ الرشوة ذاته، مما يؤكد أنها نص نافذ ومطبَّق لا نص نظري معلَّق. والأهم أن الجريمة، بحسب هذا النص، تكتمل بمجرد طلب الموظف العام لمنفعة مقابل إخلاله بواجبه، بصرف النظر عن كون المخالفة التي يتذرع بها حقيقية أو مختلقة، ورجل المرور الذي يهدد مواطناً بمخالفة وهمية ليقايضه على مبلغ مالي يقع بالضبط تحت طائلة هذا النص.
ولا يقف الأمر عند التجريم وحده، بل إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني نفسه ينص صراحة، ضمن المبادئ التي تُراعى عند تطبيقه، على أن منع ارتكاب الجريمة واجب على الكافة، أي أنه ليس امتيازاً تختص به جهة أمنية أو قضائية بعينها، بل مسؤولية جماعية يشارك فيها كل مواطن. بل يذهب القانون إلى أبعد من ذلك، إذ يفرد فصلاً كاملاً للإجراءات الوقائية لمنع وقوع الجريمة، ينص فيه صراحة على واجب التبليغ عن الجرائم والمساعدة في كشفها. وهذا يعني أن من يوثّق واقعة رشوة أو يبلّغ عنها لا يخالف نصاً قانونياً، بل ينفّذ واجباً نص عليه المشرّع ذاته، وأن الفتوى التي تُجرّم هذا الفعل تصطدم بنص قانوني صريح تماماً كما تصطدم بروح النص الشرعي.
وهذا يعني في مجمله أن ما وثّقه هذا الفيديو ليس فضحاً لعورة شخصية، بل توثيق لواقعة ارتكاب جريمة جنائية منصوص عليها، والتوثيق في هذه الحالة لا يخضع لمنطق الستر الديني، بل هو من قبيل جمع الأدلة الذي يُعدّ عملاً مشروعاً بل مطلوباً في أي دولة قانون، وإعمال لحق المجتمع في المساءلة الذي تكرّسه فلسفة القانون الجنائي ذاتها، بل ويوجبه نصها الصريح. وبعبارة أخرى، فإن الدين والقانون هنا لا يتعارضان، بل يتفقان على أن الرشوة جريمة ضد المصلحة العامة تستوجب الكشف لا الستر، وأن من يطالب بسترها إنما يطالب – من حيث يدري أو لا يدري – بتعطيل نص قانوني وشرعي في آن واحد.
ولذلك، فإن الأثر العملي لخطاب كهذا، بصرف النظر عن حسن نية قائله، هو حماية الفاسد من المساءلة القانونية والاجتماعية معاً، وتخويف الشهود والمواطنين من التوثيق مستقبلاً، وإعادة إنتاج ثقافة الصمت التي تُديم دورة الفساد في مؤسسة تمس معيشة الناس يومياً، في بلد يرزح جزء كبير من سكانه أصلاً تحت خط الفقر. فمن وثّق واقعة الابتزاز لم يفضح عورة بالمعنى الشرعي، بل كشف جريمة جنائية بنص المادة 88، ونفّذ واجباً قانونياً نص عليه قانون الإجراءات الجنائية، وجريمة أخلاقية بنص القرآن والسنة معاً. والدين الذي يُستشهد به لإسكات هذا التوثيق هو نفسه الدين الذي أمر بالعدل ولو على النفس والأقربين، والقانون الذي يُراد تعطيله باسم الستر هو نفسه القانون الذي جرّم فعل المرتشي وأوجب على كل مواطن المساعدة في كشفه. فإذا كان لا بد من ستر، فليكن سَتر أموال الفقراء من أن تُنهب في وضح النهار، لا ستر من ينهبها.



